المقدمة:
ان
الانتخابات في كل دول العالم تعتبر وسيلة لانتقال السلطة بشكل سلمي لكن الوضع في
العراق مختلف كثيراً، حيث تعتبر الانتخابات محطة للتحالفات والتكتلات السياسية فلا
يكفي الفوز بها بل لابد من تشكيل الكتلة الأكثر عدداً تحت قبة البرلمان وعندها
نستطيع القول ان هناك فائز في الانتخابات، وبهذه الحالة فان تصويت الشعب ليست له
جدوى، فما الفائدة من فوز كتلة بتصويت الشعب لكنها لن تمثل الإرادة الشعبية بسبب
نص المادة 76 من الدستور.
في هذه
المقالة سنتولى شرح نص المادة 76 وأسباب الخلاف حولها، وموقف المحكمة الاتحادية من
تفسير نص المادة باعتبارها المسؤولة عن التفسير نصوص الدستور وفقاً للمادة 93 من
الدستور.
المادة 76 من
دستور العراق لسنة 2005 النافذ حالياً
نصت المادة
على ما يأتي:
اولا: -
يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الكتلة النيابية الاكثر عددا، بتشكيل مجلس الوزراء،
خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية.
وفقاً لنص المادة أعلاه يقوم رئيس الجمهورية
-الذي تم انتخابه من قبل مجلس النواب- بتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً لتشكيل
مجلس الوزراء.
اتسم النص بإغفال تشريعي في تحديد المقصود بالكتلة الأكثر عدداً، هل هي الكتلة المشكلة تحت قبة البرلمان ام الفائزة بالانتخابات؟ هذا الإغفال
كان نتيجة عدم توقع المشرع الدستوري للانقسامات السياسية والتي حصلت في كل دورة
انتخابية تقريباً.
التحليل اللغوي والقانوني لنص المادة 76
لغوياً، ان عبارة الكتلة النيابية الأكثر
عدداً تضعنا امام مصطلحين، الأول هو الكتلة النيابية الفائزة بأكثر عدد من
الاصوات، اما الثاني فهو الكتلة النيابية الأكثر عدداً التي تشكلت تحت قبة
البرلمان بتحالف قائمتين او عدة قوائم.
ويترتب على هذا التفسير آثار قانونية مهمة، فاذا ما اخذنا بالمصطلح الأول -الكتلة الفائزة بالانتخابات- معناه ان
الكتلة التي فازت بالانتخابات هي من تسمي رئيس مجلس الوزراء وهذا أقرب الى
الديمقراطية على اعتبار ان رأي الشعب فوق كل شيء، اما إذا اخذنا بالمصطلح الثاني
-الكتلة المُشكّلة تحت قبة البرلمان- ففيه انتكاسة للديمقراطية وتغليب للتحالفات
السياسية على رأي الشعب، ان اثاره لا تقف عند هذا الحد بل تمتد لتغليب أحزاب كانت
خاسرة، وخسارة أحزاب كانت فائزة، وقد تجسدت هذه الاثار في الدورات الانتخابية
للأعوام 2010-2014-2018-2021.
بداية الخلاف
اُثير الخلاف اول مرة في انتخابات عام 2010
حيث فاز تحالف القائمة العراقية الوطنية ب91 مقعداً بقيادة السيد اياد علاوي
ووفقاً لنص المادة كان من المفترض ان تقدم كتلته مرشح ويتم تكليفه من قبل رئيس
الجمهورية لتشكيل مجلس الوزراء، الا ان المفارقة كانت عندما قام رئيس مجلس الوزراء
الأسبق نوري المالكي بتقديم طلب الى المحكمة الاتحادية العليا لتفسير نص المادة 76
من الدستور، وأصدرت الأخيرة رأيها التفسيري بان عبارة "الكتلة النيابية
الأكثر عدداً" هي الكتلة التي تشكلت بعد الانتخابات من قائمة انتخابية
واحدة او تشكلت بعد الانتخابات من قائمتين انتخابيتين او اكثر، تحت قبة البرلمان.[1]
نحن نعتقد ان الاتحادية وضعت هذا التفسير مستندين الى كلمة (نيابية)
حيث فسروا الكلمة على أساس ان الكتل المشكلة تحت قبة البرلمان تعتبر كتلة نيابية
عن الشعب على اعتبار انهم اصبحوا تحت قبة البرلمان وما داموا في البرلمان فهم نواب
ولهم حق ترشيح رئيس مجلس الوزراء، لكن ما غفلت عنه المحكمة هو ان الكتلة الفائزة بتصويت
الشعب كذلك تعتبر كتلة نيابية بل ان شرعيتها تكون اقوى على اعتبار ان غالبية
المصوتين صّوتوا لهذه الكتلة دون البقية ولا داعي للانتظار ان تدخل الكتلة الفائزة
للبرلمان حتى يعتبروا نواب.
اكدت الاتحادية تفسيرها الدستوري السابق في
عام 2010 وذلك في قرار لها صدر عام 2014/ت.ق/ 45 واكدته كذلك في قرار رقم
70/اتحادية/2019.
أثر التفسير الدستوري على الانتخابات
العراقية
1- انتخابات 2010/ في هذه الانتخابات فازت القائمة العراقية بـ 91 مقعداً، لكن بسبب تفسير
المحكمة الاتحادية لنص لمادة 76 أصبحت الكتلة الأكثر عدداً هي ائتلاف دولة القانون،
هذا التفسير أدى الى اهمال إرادة الشعب وتغليب التحالفات السياسية عليها.
2- انتخابات 2014/ في هذه الانتخابات فاز تحالف دولة القانون في الانتخابات، الا ان الأحزاب
الأخرى تحالفت فيما بينها وشكلت الكتلة الأكثر عدداً.
3- انتخابات 2018/ هذه الانتخابات كانت جوهرية بسبب قيام تحالف سائرون وتحالف الفتح بالإعلان بأنهم
الكتلة الأكبر وقدموا ورقة بذلك الى رئيس السن، بقي النزاع قائماً بينهم ولم يقدم
أي منهم مرشح لرئاسة مجلس الوزراء، وتم الاتفاق على تعيين عادل عبد المهدي الذي لم
ينتمِ الى أي من الطرفين.
ان تعيين عبد المهدي أدى الى نتيجتين
قانونيتين الأولى هي تجاوز على الدستور وتغليب
التحالفات السياسية كون المشرع الدستوري قد نص على تكليف مرشح الكتلة النيابية
الأكثر عدداً، والثاني هو تجاوز على تفسير المحكمة الاتحادية التي تعتبر قراراتها
واحكامها باتة وفقاً للمادة 94 من الدستور. وعلى أي حال فانه لم يصمد في سدة
الحكم بسبب اندلاع مظاهرات تشرين فاستقال وتم تعيين السيد مصطفى الكاظمي.
4- انتخابات 2021/ هذه الانتخابات ايضاً كانت مميزة حيث فازت الكتلة الصدرية بأغلبية ساحقة،
لكن بسبب تفسير نص المادة 76 خسر الصدريون لصالح الإطار التنسيقي وامر السيد مقتدى
الصدر اتباعه بتقديم استقالة من البرلمان والانسحاب من العملية السياسية، هذا
الامر أدى الى تفجر مواجهة بين اتباع الصدر والقوات الحكومية، لكنها انتهت بأمر
انسحاب من السيد مقتدى. وبعدها قام الإطار بتسمية محمد شياع السوداني رئيساً
للوزراء.
الخاتمة
ختاماً يتضح موطن الخلاف في كل دورة انتخابية
هو المادة 76 من الدستور، نود التأكيد على ان المحكمة قد جانبت الصواب في تفسير نص
المادة 76 حيث تناست الإرادة الشعبية واهملت نتائج الانتخابات لصالح الأحزاب
السياسية على اعتبار ان الدستور نص على ان العراق بلد ديمقراطي[2]
ولما كانت الديمقراطية هي حكم الشعب بواسطة الشعب ومن اجل الشعب[3]
فكان من الاجدر ان تُفسر المادة على أساس ان الكتلة الأكثر عدداً هي الكتلة الفائزة
في الانتخابات وليست الكتلة التي تشكلت تحت قبة البرلمان وندعو المشرع العراقي الى
ضرورة تعديل النص الدستوري للمادة 76 وجعله كالآتي: اولا: - يكلف رئيس
الجمهورية، مرشح الكتلة النيابية الاكثر عددا الفائزة في الانتخابات، بتشكيل مجلس
الوزراء، خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية. وذلك تماشياً مع
النظم الديمقراطية واحترام إرادة الناخبين وابعاد التحالفات والمصالح السياسية عن
التلاعب بنتائج الانتخابات والتأكيد على الانتقال السلمي للسلطة بعيداً المصالح
السياسية.
تم نشره بتاريخ 24/نوفمبر/2025 يوم الاثنين في الساعة 5:00 مساءً
[1] https://www.iraqfsc.iq/krarid/25_fed_2010.pdf الموقع الالكتروني للمحكمة الاتحادية، القرار
رقم 25/اتحادية/2010، اخر زيارة بتاريخ 16 نوفمبر 2025 يوم الاحد الساعة 3:59
[2] المادة 1 من الدستور
[3] حميد حنون
خالد، الأنظمة السياسية، المكتبة القانونية، بغداد، صفحة 16
.png)