الطفولة
هي أساس بناء مجتمع سليم، إذ أن إنشاء أجيال سوية من الناحية النفسية من شأنه
تخليص المجتمع من أخطار كثيرة قد تلحق به من أهمها الجرائم، فكما نعلم أن من ابرز
الدوافع الاجرامية لدى الأحداث هي الضغوط النفسية التي قد يتعرض لها الحدث أثناء
طفولته والتي تجعل من حياته قاسية بعض
الشيء كالفقر، الخلافات المستمرة بين الاهل ، فقدان الوالدين، التربية العنيفة
سواء عنف جسدي ظاهر أو عنف غير مرئي معنوي لفظي ،والذي سنتطرق له بشكل أكثر تفصيلا
فيما بعد. وإلى جانب الجريمة فإن العوامل التي
ذكرناها أعلاه من شأنها أيضا أن تنشأ لنا حدث منحرف من الناحية السلوكية إذ قد
ينجرف نحو التعاطي وتناول المسكرات. هذا كله سيحدث
لمجرد كلمة خرجت من المحيطين بالحدث دون تقدير العواقب التي قد تترتب على تلك
الكلمة . لذا على الأهالي أن يكونوا اكثر حرصاً
في تعاملهم مع أطفالهم فكل ما يتعرض له ذلك الطفل أثناء طفولته وإن كان غير مدرك
يُخزن في عقله الباطن ويبقى متأثراً بها طوال حياته .
ففكرة التعامل مع
الطفل على أساس أنه سيكبر وينسى فكرة خاطئة فالذي سيمحي التفاصيل هو العقل الواعي
اما العقل الباطن )اللاوعي) فسيبقى محتفظاً بها
.
وللوقوف على أبرز الأخطاء التي قد يرتكبها الأهل في حق الطفل والتي ترمي به إلى التهلكة ،خصصنا الفرع الأول للحديث عنها وبيان أشكالها، ثم بينا في الفرع الثاني الطرق والأساليب الأمثل للتعامل مع الطفل .
الفرع
الأول
الأخطاء الشائعة في تربية الأطفال
يلجأ الكثير من الأهالي إلى اتباع أساليب معينة في تربية أطفالهم ظنا منهم أن تلك الأساليب ستسهم في بناء شخصية قوية للطفل وستجعل منه شخص أكثر مسؤولية، لكن حقيقة الأمر أن إتباعهم لتلك الأساليب له أضرار بعيدة المدى على الطفل. لذا سنتعرض لأبرز تلك الأساليب و ما يترتب عليها من أخطار بغية حث الأهالي على تجنبها والابتعاد عنها :-
أولاً
/العنف الجسدي
والمعنوي
العنف لا يقتصر على العنف الجسدي (الضرب) ، بل يشمل العنف المعنوي أو ما يسمى بالعنف اللفظي أو الكلامي والمقصود به نعت الطفل من قبل المقربين عليه بصفات سيئة، كأن يُقال له أنت فاشل أو أنت غبي أو بطيء الفهم وما خلاها من الكلمات الجارحة ،هذه الكلمات يكون وقعها على الطفل أشد من العنف الجسدي ،حيث تجعل من الطفل شخص عديم الثقة مهزوز داخلياً . لذا قد يكون العنف بنوعيه الجسدي والمعنوي هما أكثر الأخطاء الشائعة في تربية الأطفال، حيث يعتقد الأهالي أن الطفل يجب أن يُعنف إذا ارتكب خطأ وهذا غير صحيح إذ يوجد أساليب معينة يجب اتباعها مع الطفل في حال ارتكابه لخطأ والتي سنوضحها في الفرع التالي.
ثانياً
/المقارنة المستمرة
بين الطفل واحد أقرانه
إن المقارنة الدائمة بين طفل وآخر سواء كان ذلك الآخر أخوه أو أحد أقاربه أو حتى أحد زملائه من شأنه التأثير بشكل سلبي على الطفل حيث سيشعر وكأنه فاشل ولا يستطيع الوصول لما وصل له من يُقارن به. الأمر الذي سيجر بالطفل إلى عدم المحاولة للتقدم على أساس أنه لا يستطيع ذلك أصلاً. وإلى جانب شعوره بالفشل سيولد لديه حقد اتجاه الطفل الذي يقارن به مما يؤدي لإنشاء طفل ذا سلوك عدواني غايته الوحيدة الانتقام.
ثالثاً
/التقليل من الطفل
أمام الملأ
من غير الصحيح أن نُقلل من الطفل أو مستهزئ من تصرفاته أو نُعنفه أمام الملأ ، فلا يجوز مثلاً الصراخ على الطفل في الشارع أمام المارة أو الاستهزاء به أمام جمع من الأقارب على سبيل المزاح. هذا كله سيجعل الطفل يشعر بالخجل مما يضعف شخصيته ويجعله غير قادر على مواجهة الآخرين، إذ إنه سيرى نفسه أقل منهم .
رابعاً
/التناقض في قواعد
التربية
كثيراً ما يفرض الأهالي قواعد تربية متناقضة على الطفل مما يجعله مشتتاً كأن يقال له أفعل كذا ومن ثم يحاسب على فعله لذلك الأمر , ولكي يكون الأمر أكثر وضوحاً نطرح بعض الأمثلة ، يُطلب من الطفل أن يكون حراً في التعبير عن رأيه بينما نُوبخه إذا فعل ذلك أو نطلب منه أن يشارك أشياأه مع الآخرين ثم نُعاقبه إذا أعطى شي منها لطفلٍ ما وغيرها من الأمور المتناقضة التي تجعل الطفل غير مدرك ما إذا كان فعله صحيحاً أم خاطئاً . فترك الطفل في حيرة من أمره لا يعرف الخطأ من الصواب يجعله غير قويم من الناحية النفسية .
خامساً
/التحفظ المبالغ به
على سلوك الطفل
إن منع الاهل لطفل من القيام بأنشطة هي في الواقع تعتبر أنشطة طبيعية بدافع الخوف الغير مبرر، كمنعه من اللعب بحجة أنه قد يؤذي نفسه، يعد سلوكاً غير صحيح. الصحيح هو اتباع قاعدة ان كل نشاط لا يحمل اذى حقيقي للطفل يجب أن لا يُحرم منه كون هذه الأنشطة هي من تنمي قدرات الطفل وتُكون شخصيته ،وحرمانه منها سيجعله إنطوائي، غير قادر على مواجهة المجتمع الخارجي كونه لم يحتك به من قبل نتيجة الخوف المبالغ فيه. وعليه يجب على الأهل أن يُحكموا عقولهم عند تحديد ما هو مؤذي للطفل من ما هو غير مؤذي له ولا يبالغوا في وضع محظورات للطفل .
سادساً
/تحميل الطفل أخطاء
لم يكن سبباً فيها
تحميل الطفل لخطأ لم يرتكبه يعد من أسوأ الممارسات الخاطئة التي قد يُقدم عليها الأهالي ،إذ أن لها سلبيات كبيرة على نفسية الطفل ،كما لو تشاجر الأب والأم وألقت الأم مثلا اللوم على الطفل كأن تقول له أنت سبب الشجار أو أن تفشي غليلها فيه وغيرها من التصرفات التي تجعل الطفل يشعر وكأنه هو سبب الخلاف على رغم من أنه في حقيقة الأمر ليس له أي علاقة به. أو مثلاً عندما أتكسر الام شيئاً ما وتُحمل الطفل ذلك فقط لانه ناداها في ذلك الوقت . هذه الأمور كلها تجعل من الطفل يشعر بالذنب دون قيامه بهذا الأخير من الأساس.
سابعاً
/تجاهل الطفل وعدم
الاكتراث لما يقول
إن عدم إعطاء مساحة من قبل الأهل لسماع الطفل أو عدم الاكتراث لما يقول أمر غير صحيح إذ أن الطفل سيشعر بأن لا شخص يكترث لأمره وبالتالي سيقدم على افعال خاطئة إذ لا يوجد من يسمعه ويصحح له قراراته. فالطفل لا يمكن أن يكون مدركاً لكل ما يعد خاطئاً فهنا يكمن دور الأهل في سماع الطفل وتعريفه ما إذا كان ما يقبل عليه من فعل صحيح أم خاطئ وعدم وجود مثل هذه المساحة سيؤدي إلى إقبال الطفل على الفعل حتى وإن كان خاطئئً .
الفرع
الثاني
الأساليب التربوية الأمثل في التعامل مع الطفل
هناك العديد من الأساليب التي يجب أن يعتمد عليها الأهل في تربية أطفالهم حتى ينشئوا طفل سليم من الناحية النفسية غير مهدد بالانحراف السلوكي. ونحن بدورنا سنشير إلى تلك الأساليب مبينين مدى مساهمة هذه الأساليب في تكوين شخصية قويمة للطفل ومدى ضرورة اتباع الأهالي لها :-
أولاً
/العقاب السليم في
حال ارتكاب الطفل لخطأ
من الطبيعي أن يرتكب الطفل في سنواته الأولى أخطاء كونه لا يزال غير ملم بالأفعال التي تشكل سلوك خاطئ ،لذا على الأهل عند ارتكاب الطفل لخطأ أن لا يلجأ للعنف بل عليهم افهام الطفل بأن هذا السلوك خاطئ وأنه إذا وضع بمثل هذا الموقف عليه أن يتصرف بكذا أي أن يبينوا له التصرف الصحيح لهذا الموقف وبهذا سيعرف الطفل السلوك السليم ويبدا في اتباعه تدريجياً .كما يمكن أن نَتبع معه أسلوب إصلاح الخطأ فمثلا لو كسر لعبة يمكننا أن نعاقبه بأن أجعله يساعد في اصلاح تلك اللعبة بهذا سيتعلم الطفل أن يتحمل مسؤولية خطئه . وبذلك نكون علمنا الطفل الخطأ من الصواب دون استخدام العنف ودون التأثير على نفسيته .
ثانياً
/الدعم والتشجيع
للطفل
على الأهل أن لا يقللوا من إنجازات طفلهم وعليهم أيضا أن يُبينوا له أنه يستطيع القيام بأي شيء وأن يدعموه ليصل إلى ما يريد . إن أقناع الطفل بأنه يستطيع يجعل منه أكثر ثقة بنفسه، ،مقدم على الفعل دون خوف . كما ويجب أن نبين للطفل أن الفشل في المحاولة الأولى لا يعني عدم الاستطاعة، حتى لا يحبط الطفل في حالة إخفاقه في شيئاً ما . ويجب أن يكون الأهل الداعم الأول للطفل سواء أخفق أو افلح في إنجاز شيء ما. هذه الأمور كلها تسهم في إنشاء طفل مقبل على الحياة ،مؤمن بمهاراته ، لا يستسلم بسهولة ، لا يتأثر بكلام الآخرين .
ثالثاً
/وضع قواعد تربوية
ثابتة
يجب أن تفرض قواعد على الطفل تتسم بالثبات بحيث لا تكون متناقضة حتى نجعل الطفل قادر على التفرقة بين ما يعد من السلوكيات الجيدة وما يعد من السلوكيات السيئة وبالتالي يتجنب ما هو سيء ويعمل بما هو جيد. وعلى الأهل أيضا عدم مناقضة قواعد التربية بأفعالهم ،كأن يفرضوا على ا الطفل أن لا يرفع صوته فعليهم أيضاً أن لا يفعلوا ذلك فيما بينهم حتى لا يشعر الطفل بأن تلك القواعد غير مهمة كون الأهل لا يلتزمون بها ، وحتى لا يشعر أيضا بأنه الوحيد الذي تفرض عليه هذه القواعد .
رابعاً
/مناقشة الطفل وخلق
لغة حوار معه
على الأهل أن يهتم بكل تفاصيل الطفل ويسألوه عن يومه ،فمثلا لو كان في المدرسة فعلى الأهل عند عودته أن يسألوا عن كل تفاصيل التي حدثت معه أثناء يومه الدراسي ويجب أن نعطيه المساحة الكافية للحديث ولا نقاطعه ونسمع له باهتمام حتى يشعر الطفل بأنه مهم. ومن خلال هذه النقاشات نستطيع أن نعرف ما إذا كانت كل الأمور تسري مع الطفل بشكل سليم ،كما نتمكن من معرفة المشاكل التي يواجهها بحيث نساعده في إيجاد حلول لها وبالتالي يكون الأهل مطمئنين على الطفل ؛ لأن وجود لغة حوار بين الأهل والطفل تضمن عدم أخفاء الطفل على الأهل أي شيء يحدث معه .
خامساً
/دمج الطفل مع
المجتمع بشكل سليم
على الأهل أن يساهم في اختلاط الطفل مع الآخرين لأن التحفظ والإبقاء عليه داخل مجتمع الأسرة يجعل منه إنطوائي كما أوضحنا مسبقاً . لذا يجب أن يختلط بالآخرين حتى لا يصدم عند مواجهة المجتمع . ولكن هذا لا يعني تركي الطفل مع أي شخص إذ على الأهل أن يتأكدوا من سلوكيات الأطفال المقربين لطفلهم، بحتى لا يؤثروا سلباً على تربية طفلهم . ومن المؤكد أن هذا الاختلاط سيسهم في بناء شخصية قوية للطفل .
سادساً
/احترام المرحلة
العمرية للطفل
عند التعامل معه
يجب احترام النمو الطبيعي للطفل وجعله يتمتع ويعيش كل مرحلة من مراحل حياته فمن غير الصحيح أن نتعامل مع الطفل على أنه كبير أو نحمله مسؤوليات أكبر من عمره ؛اذ ان هذا سيجعل الطفل يشعر بالعجز والضغط النفسي. كما لو أوكلت الأم طفلها لرعاية أخيه الصغير، لا مشكلة بأن نجعل الطفل يشارك في الاهتمام بأخيه الاصغر منه لكن من الخطأ أن نوكل ذلك الاهتمام كله على الطفل فهذا فيه استنزاف كبير لطاقة الطفل ،كما ويحرم الطفل من أن يعيش طفولته إذ سيشعر أنه أصبح كبيرا ومسؤولاً عن طفل، وهذا بدوره يحمل آثار وخيمة على حياة الطفل حيث انه سيرى الأطفال الذين في عمره يلعبون ويمرحون وهو لا . لذا يجب ان ندع الطفل يعيش كل مرحلة بتفاصيلها دون جعله ينتقل لمراحل متقدمة تاركاً خلفه مراحل أخرى .
وختاماً،
يجب علينا القول أن الطفل كالزهرة تتفتح و يفوح عطرها بالاهتمام بينما تذبل ودتيبس
بالإهمال. وأن أطفالنا هم أمانة يجب علينا
المحافظة عليها من خلال اتباع الأساليب التربوية الأمثل التي من شأنها بناء شخصية
سليمة للطفل والانتباه على كل كلمة تصدر منا وإن كانت على سبيل المزاح ؛لأنها قد
تحمل أثر سلبي بعيد المدى على الطفل .
تم نشره في 20/نوفمبر/2025 يوم الخميس في الساعة 5:00 مساءً
.png)