First header image Second header image

القانون كما لا تعرفه، مفاهيم مغلوطة وأخطاء شائعة

 بقلم: مريم حسين رسول


تُعد المصطلحات والمبادئ القانونية المستخدمة في صياغة النصوص التشريعية من أهم أدوات فهم النص القانوني، فهي تمثل الركائز الأساسية التي يقوم عليها البناء التشريعي والفقهي، فمن خلالها يُعبر المشرع عن مقاصده والمعاني التي يريد تحقيقها من النصوص القانونية. وعليه لابد من التعرف على المعنى الصحيح لهذه المصطلحات حتى نتمكن من الوصول للفهم القانوني السليم، وحيث أن بعض هذه المصطلحات كثيراً ما يُساء فهمها نتيجة اختزال معناها في صور خاطئة ناجمة عن تأثر تلك المصطلحات بالمعنى اللغوي أو الاجتماعي الدارج، بعيداً عن مدلولها القانوني الدقيق. ويؤدي هذا الخلط في الغالب إلى التباس في المفاهيم، وانحراف في الفهم الصحيح للنصوص، بل قد ينعكس سلباً على التطبيق العملي للقانون. ومن هذا المنطلق، سنسعى في مقالنا هذا إلى تسليط الضوء على أبرز المصطلحات القانونية التي شاع فهمها على نحو خاطئ، وبيان معانيها ومدلولتها الحقيقية كما وردت في التشريعات والفقه القانوني، وصولاً للمعنى الصحيح لها.

وفيما يلي سنشير لأبرز هذه المصطلحات مبينين معناها الخاطئ ومعناها الصحيح 

العقار

كثيراً ما يعتقد البعض أن المقصود بالعقار هو فقط المباني والدور السكنية ، إلا أن هذا المصطلح في واقع الأمر يشمل كل شيء لا يمكن نقله دون تلف ،راجع المادة (62) من القانون المدني العراقي. وعليه تعد الآبار مثلاً من العقارات إذ لا يمكن نقلها دون تلف وكذلك الحال بالنسبة للأشجار الكبيرة.

التوقيع

قد يعتقد البعض أن كلمة التوقيع عند ورودها في النصوص القانونية تعني الإمضاء الخطي فقط ، إلا أن هذه الكلمة لا تقتصر فقط على الإمضاء الخطي إنما تشمل أنواع التوقيع المعروفة وهي الإمضاء الخطي، البصمة، الختم وعليه يجب أن نعرف أن هذه الكلمة أينما وجدت في النصوص القانونية تعني جميع أنواع التوقيع أما إذا اراد المشرع تحديد نوع معين بحد ذاته فسيذكره باسمه كأن يقول أمضاء خطي وإلى آخره .

البينة على من ادعى واليمين على من انكر

كثيرا ما يتصور الأفراد أن هذا المبدأ المعتمد قانونا يُمكن المدعي من كسب الدعوى بمجرد حلف اليمين، وهذا فهم خاطئ للمبدأ ،إذ أن المبدأ يبين أن على المدعي إثبات إدعائه بطرق الاثبات المعروفة قانوناً ،فإن عجز عن تقديم دليل على صحة ادعائه فهنا يأتي دور اليمين التي توجه للمدعى عليه عند إنكاره لما يدعيه المدعي.

اي إن التسلسل الصحيح للعمل بهذا المبدأ هو تقديم المدعي للأدلة وفي حالة عدم تقديمه لتلك الأخيرة ننتقل إلى اليمين .واليمين تُمنح للمدعى عليه وليس للمدعي في هذه الحالة، إذ من غير المعقول تمكين المدعي من كسب الدعوى بمجرد تحليفه.

مبدأ السقوط بالتقادم

يُقصد بالتقادم مضي المدة ،إذ أن مضي المدة قد يُرتب في بعض الأحيان سقوط للدعوى القضائية  . وهذا المبدأ معروف في الأوساط القانونية إذ يوجد مدة تقادم طويلة واخرى قصيرة إلا أن الخطأ الشائع هو الاعتقاد بأن هذا المبدأ يؤدي (في القانون العراقي) إلى سقوط الحق الذي مضت عليه المدة، وهو في واقع الأمر لا يؤدي لذلك إنما يؤدي لسقوط الحق في المطالبة القضائية أي سقوط الحق في رفع الدعوة أمام القضاء. فمثلاً لو كان لشخص حق في ذمة شخص آخر كمبلغ من المال فمضي مدة التقادم المسقط لا يعني سقوط حقه في مبلغ المال ،إنما يعني أن ذلك الشخص لم يعد يستطيع رفع دعوة قضائية للمطالبة بهذا الحق .

الوقف

 الوقف في الاصطلاح الفقهي هو حبس المال عن التصرف فيه تمليكاً، مع صرف منفعته لجهة معينة، على وجه دائم أو طويل المدى. بمعنى، أن أصل المال مثل أرض، بيت وإلى آخره يتم تجميده فلا يُباع ولا يُورث ولا يُهدى، إلا أن منفعته تُمنح لجهة معينة. والخطأ الشائع هنا هو الاعتقاد بأن الوقف يُنشأ فقط لمصلحة جهة خيرية كوقف المباني لإنشاء مساجد أو لدعم منظمات إنسانية خيرية وإلى آخره ،إلا إن واقع الأمر أن الوقف له أنواع أخرى فقد يوقف المال لصالح أولاد الشخص الموقف وهنا يسمى الوقف بالوقف الذري ، وبالتالي يكون المنتفع هنا من الوقف ليس جهة خيرية إنما أولاد المُوقف.

قاعدة السبب الأجنبي

يعتقد الأغلبية أن السبب الأجنبي هو سبب مستقل من أسباب الإعفاء من المسؤولية العقدية، وواقع الأمر أن السبب الأجنبي هو قاعدة تضم في طياتها أربع أسباب للإعفاء من المسؤولية وهي (القوة القاهرة، الحادث ألمفاجئ، خطأ الغير، خطأ المتعاقد نفسه) . لذا فسبب الأجنبي هو مجرد تسمية تجمع أسباب الإعفاء من المسؤولية العقدية.

السكوت في معرض الحاجة إلى بيان يعد قبولاً

هذه القاعدة تم ذكرها في المادة (81) من القانون المدني العراقي إلا أن الشائع منها الجزء الذي تم ذكره أعلاه فقط من ما جعل السائد الاعتقاد بأن الصمت يعتبر قبولا دائما إلا أن المادة سالفة الذكر تُبين ايضاً أنه لا يجوز ان يُنسب للساكت قول، أي أن الساكت لا يمكن أن يعتبر قابلاً . وقد حصرت القاعدة فكرة اعتبار الشخص قابلاً بأن يكون الشخص أصلاً في موقف يتطلب أن يعبر به عن قبوله أو رفضه ،كما وأخرجت الحالات التي اعتبرت فيها النصوص التشريعية السكوت رفضاً.

النيابة

عند ذكر هذا المصطلح عادة ما يخطر في بال الأكثرية الوكالة لكن حقيقة الوكالة هي نوع من انواع النيابة وتحديدا ما يسمى بالنيابة الاتفاقية إذ أن النيابة قد تكون اتفاقية وحينها تعتبر وكالة، وقد تكون نيابة قانونية في حالة الولاية، وأخيرا قد تكون قضائية كما في الوصايا . إذن النيابة مصطلح يضم الوكالة كما يضم أيضا فكرة الولاية والوصايا.

قرار الإفراج

الأفراج يعني إطلاق صراح المتهم ليس لكونه بريئا دائما بل لعدم كفاية الأدلة . ويتصور للبعض أن قرر الافراج شأنه شأن الحكم بالبراءة وحقيقة الأمر أن الإفراج هو قرار مؤقت إذ يتضمن إعطاء مهلة سنتين عند صدوره من قاضي التحقيق في مرحلة التحقيق وسنة واحدة إذا صدر في مرحلة المحاكمة، فإذا حدث أي مستجدات في القضية كما لو تم العثور على ادلة جديدة خلال هذه المدة يتم اتخاذ حكم نهائي سواء بالبراءة أو بالإدانة. أما إذا مضت هذه المدة دون أي مستجدات ،فهنا يصدر حكم بالبراءة ويصبح الشخص بريئاً. اي ان الإفراج لا يترتب عليه آثار البراءة إلا بعد مرور المدة المحددة سواء سنة أو سنتين وعدم ظهور أي مستجدات في القضية.

الحكم بالبراءة

إن الاعتقاد السائد بأن الشخص الذي صدر في حقه حكم البراءة هو لم يرتكب أي فعل ضار اعتقاد غير دقيق ،إذ في بعض الأحيان يتم إصدار حكم بالبراءة على رغم من ارتكاب الشخص لفعل منافي للآداب ؛ وذلك لكون هذا الفعل لا يعد جريمة وفقاً لقانون العقوبات واستناداً لمبدأ الشرعية لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص فلا يحاسب ويصدر له حكم بالبراءة على الرغم من ارتكابه فعل قد يكون ضار بالآخرين.

الطعن

الطعن هو وسيلة للاعتراض على الحكم والمطالبة بتدقيقه، ولا يؤدي دائما لإعادة المحاكمة كما يتصور البعض، واقصد بإعادة المحاكمة إعادة جميع إجراءات المحاكمة من سماع أطراف الدعوى وتقديم الأدلة. فالطعن في بعض الأحيان يتم بمجرد مراجعة أوراق الدعوى والتأكد من صحتها دون الخوض في محاكمة جديدة كما هو الحال في الطعن التمييزي.

العدل، العدالة

كثيرا ما يتم الخلط بين هذان المصطلحان على رغم من أن كل منهما له معنى خاص به ومختلف عن الآخر . فعدل هو المساواة المجردة أي التساوي دون التميز بين الأفراد لأي سبب، أما العدالة تهتم بال الفروقات بين الأفراد على عكس العدل.

ولتوضيح الأمر أكثر نضرب هذا المثال، عائلة مكونة من أب وأم وأطفال ونرغب في قسمة شيئا ما عليهم ،فلو اعتمدنا في القسمة على العدل فيجب أن يأخذ كل منهم نفس النصيب أما إذا اعتمدنا على العدالة ستكون الأنصبة متفاوته بحسب الفروق ، فعلينا أن نأخذ في عين الاعتبار أن الأب مثلا كبير في السن أو أن الأطفال لايزالون صغار وغيرها من الفروقات ،وعلى أساس هذه الفروقات يتم توزيع الأنصبة .

القانون الجنائي وقانون العقوبات

قد يعتبر البعض هذان المصطلحان واحد، إلا أن هذا الاعتبار غير دقيق اذ إن القانون الجنائي هو تسمية تضم في داخلها قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية حيث يمثل الأول الجانب الموضوعي لقانون الجنائي بينما يمثل الثاني الجانب الشكلي الإجرائي . إذن من غير الدقيق أن نعتبرهما واحداً بل القانون الجنائي يعد الأصل الذي يتفرع منه قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية .

المقدمة، الديباجة

قد يُثأر التساؤل حول هذان المصطلحان ما إذا كانا رديفين أم مختلفين ،حقيقة أن المقدمة وديباجة كلمتين مختلفتين والأختلاف بينهما بسيط للغاية ،حيث أن الديباجة هي ما يُذكر في مقدمة القوانين وتكون ملزمة شأنها شأن النص القانوني، فهي تعد جزء من الهيكل التشريعي للقانون المذكورة فيه. اما المقدمة فهي ما يذكر في بداية الأبحاث والكتب والمقالات والتي تمهد الحديث عن موضوع البحث. إذن الفرق الأساسي بينهما هو أن الديباجة تُعتبر جزء من القانون وتكون مُلزمة. اما المقدمة فلا تتمتع بهذه الصفات وتعد مجرد تمهيد للحديث عن موضوع معين.

الوصية الواجبة

 ذُكر هذا النوع من الوصية في المادة 74 من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم (188) لسنة (1959) إذ من خلال هذه الوصية يكون للاحفاد نصيب في تركة جدهم أو جدتهم على الرغم من وفاة ابوهم قبل جدهم أو جدتهم. الخطأ الشائع هنا اعتقاد أن النصيب الذي يحصل عليه الأحفاد من تركت الجد هو عبارة عن ميراث وهو في واقع لا يعد كذلك ،إذ إن الميراث يستوجب حياة الوارث عند وفاة المُورث ،وهنا والد الأحفاد متوفي قبل الجد ، فمن ناحية الميراث لا يكون للاحفاد اي أرث من جدهم عند وفاتهفالنصيب الذي يحصلون عليه هو عبارة عن وصية اقرها القانون، حيث يسري على ذلك النصيب أحكام الوصية من عدم تجاوز الثلث وإلى آخره من الأحكام .

وبهذا نكون قد تناولنا بعض الأمثلة لمصطلحات قانونية شاع الخطأ في فهمها. علما أن الفهم الغير دقيق أو المغلوط سيؤدي بلا شك إلى تفسير غير سليم للنص القانوني ، كما إن مسألة الفهم الخاطئ القانونية ليست مجرد مسألة شكلية، بل قد يترتب عليها آثار عملية خطيرة، إذ أن المعرفة القانونية ليست رفاهية، وإنما ضرورة لحماية الحقوق وتحقيق العدالة. وعليه، فإن تعزيز الوعي القانوني يبدأ من تصحيح المفاهيم وردّها إلى مدلولها القانوني الدقيق، لا إلى معناها اللغوي أو الاجتماعي العام.

تم نشره في تاريخ 17/ديسمبر/2025 يوم الاثنين في الساعة 5:00 مساءً

أحدث أقدم