يعد مبدأ التكامل من المبادئ القضائية
المهمة في القانون الدولي، اذ يعد الركيزة الأساسية التي تعزز سيادة الدول ونظامها القضائي الداخلي
لمحاكمة المجرمين المرتكبين للجرائم المنصوص عليها في المادة (5) من نظام روما
الأساسي، ألا وهي جرائم الإبادة الجماعية وجرائم العدوان وجرائم الحرب والجرائم ضد
الإنسانية.
ولكن ما هو مبدأ
التكامل؟ وما الغرض منه والى ماذا يهدف؟
يعرف مبدأ التكامل ب “واحد من اهم المبادئ في القانون الدولي
الجنائي الذي يقوم على سمو القانون والقضاء الداخلي عند ارتكاب الجرائم الدولية
المذكورة في نظام المحكمة الجنائية الدولية على القضاء الدولي حيث يعد فيها القضاء
الدولي قضاء مكمل او احتياطي للقضاء الوطني".
والمقصود بالقضاء المكمل او الاحتياطي، أن
الاختصاص النوعي والشخصي الأصلي
في النظر في القضايا الجنائية للأشخاص المرتكبين لجرائم دولية، يكون من اختصاص
المحاكم الوطنية في دولة ما اما بسبب رابطته الجنسية بالدولة، او بسبب ارتكابه
لجرائم دولية على أراضي ذات الدولة. فتأتي الأخيرة لمحاكمته وفقاً لقوانينها الداخلية
الوطنية وفق محاكمة قانونية عادلة، وبالتالي ينعقد الاختصاص الأصيل للمحاكم
الوطنية وفقاً للأسباب المذكورة.
أما بالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية
فعند انعقاد الاختصاص للمحاكم الوطنية يجعل من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية
مكملاً لها، بمعنى اخر ان اختصاص المحاكم الوطنية ونظرها في هذه القضايا واستنفاد
كافة سبل الطعن الداخلية وصولاً الى مرحلة اصدار الحكم (بعد الطعن ان تم الطعن) وتنفيذه، يمنع من
اختصاص المحكمة الجنائية بشكل قاطع ونهائي في النظر في هذه الجرائم.
إلا إذا ظهرت
مجموعة من الأسباب المنصوص عليها في نظام روما، والتي تجعل اختصاص
المحكمة ملزم واصلي في نظر القضية. وطبيعة هذه الأسباب هي قانونية تتعلق بالقضية
ذاتها والدولة التي تتنظر القضية والشخص الذي يحاكم.
وهذه الأسباب حسب نص المادة (17) ومفهوم المخالفة لنص
المادة (20) من نظام روما الأساسي هي كالآتي:
1.
عدم رغبة وقدرة
الدولة على محاكمة الشخص المعني أو اجراء التحقيق معه.
2.
إذا سبق للشخص
المعني أن حوكم على الجريمة التي ارتكبها، لكن بدون حيادية واستقلال.
3. إذا كانت الدعوى على درجة كافية من الخطورة، تعطي الحق للمحكمة بالتدخل
الفوري.
نأتي لبيان كل سبب من هذه الأسباب، ونضرب مجموعة من الأمثلة على كل حالة.
فعدم رغبة وقدرة الدولة على محاكمة الشخص
يقسم الى شقين الشق الأول هو عدم الرغبة والشق الثاني هو عدم قدرة الدولة، فالأول
يعني بان الدولة لديها كامل القدرة من مؤسسات ونظام وقضاة ودولة وضمانات المتهم
ومحاكم...الخ لكن رغم ذلك لا تريد محاكمة الشخص
لأسباب قد تكون سياسية او اجتماعية او غيرها من الأسباب. مثال ذلك/ قضية عمر البشير
رئيس السودان عندما اندلع نزاع مسلح في إقليم دارفور في السودان وارتكاب الرؤساء
آنذاك العديد من المجازر بحق الشعب السوداني منها الإبادة الجماعية وجرائم ضد
الإنسانية، ومن اجل ذلك أحال مجلس الامن القضية الى المحكمة الجنائية بحجة ان
السودان غير راغبة وقادرة على محاكمة عمر البشير. وايضاً بحجة ان
النظام السوداني آنذاك كان متورطا بهذه المجازر. والشق الثاني يتمثل في عدم القدرة
والذي يتجلى بان السودان لم تكن تمتلك مؤسسات قضائية مستقلة ذات حياد واستقلال
بسبب الوضع الاقتصادي والمالي والسياسي المتأزم في الدولة.
واما بالنسبة الى السبب الثاني والمتعلق
بان الدولة قد حاكمت المجرم لكن بدون حياد واستقلال واتباع للإجراءات القانونية
عند محاكمتها للمجرم من خلال قصور التحقيق والتباطؤ ِفي اصدار الحكم وتنفيذه ولا
وجود لضمانات المتهم او لتحميه من المسؤولية الجزائية وغيرها من الحالات. مثال ذلك/ دولة كينيا بعد
انتخابات سنة 2008
والتي أدت الى مقتل المئات وتهجير الالاف من المواطنين وتشكيل لجنة تحقيق
وطنية لتحقيق ومحاكمة الوزراء المتورطين،
لكن هذه المحاكم واللجان لم تقم بكتابة لوائح لإدانة المتهمين وكان القضاء
يعاني من ضغوط سياسية كبيرة، بالإضافة الى تهاونها في جمع الأدلة واتباع الإجراءات
القانونية. ومن ثم احالتها الى
المحكمة الجنائية بسبب المقاضاة غير الحيادية والقانونية.
واخيراً، فان السبب
الأخير هو ان تكون الجريمة او
الفعل على درجة عالية من الخطورة هو ان تكون الجريمة على قدر كبير من الخطر والضرر
بالدولة ذاتها وعلى المجتمع الدولي وهو في ذات الوقت عنصر من عناصر الجريمة
الدولية عموماً، مثل جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والقتل والتهجير التي
تزايدت بشكل كبير في القرن الأخير، والتي تشكلت بسببها محاكم يوغسلافيا ورواندا
وغيرها من المحاكم لغرض المحاكمة العادلة وعدم الإفلات من العقاب.
في نهاية هذه الورقة البحثية، نود ان نبين الشق
الثاني من بحثنا، وهو أهمية والغرض من مبدأ التكامل في القانون الدولي الجنائي.
لمبدأ التكامل أهمية من حيث ضمان محاكمة المجرم في كل زمان ومكان وعدم افلاته من
العقاب لأي سبب كان، وتحمي المتهم في ذات الوقت من خلال ضمان محاكمته لمره واحدة،
وأيضا يعزز من سيادة الدولة من خلال اختصاصها الكامل الوطني
بمحاكمة المجرمين، ويضع التزاماً في ذات الوقت على عاتق الدول من خلال تكثيف
جهودها القضائية في محاكمة المجرمين الخطيرين وعدم تهاونها في اتخاذ كافة
الإجراءات القانونية لمعاقبتهم[1].
تم نشره في يوم الاثنين 10 نوفمبر الساعة 5:00 مساءً
.png)