مقدمة:
يظن البعض ان علم الدولة قطعة من القماش، لكن
الحقيقة انه يحمل دلالات كبيرة تشير الى القيمة التاريخية للبلاد ورموز حضارتها
والاهم انه يشير الى كرامة الدولة وعزتها. تحرص الدول على تنظيم شكل العلم بقانون
او ينظم في صلب الدستور ذاته، والأخير هو الأفضل حيث ان تنظيم شكل العلم في صلب
الوثيقة الدستورية يعد افضل أنواع الحماية المقدمة للعلم لعدة أسباب منها ان
الدستور يعد القانون الأعلى في البلاد ولا يجوز لاي قانون مخالفته وبالتالي فان
هذا الامر يمنع من إمكانية صدور قوانين قد تمس بكرامة العلم هذا من ناحية، ومن
ناحية أخرى فان الأهمية تبرز اذا كان الدستور جامداً، حيث يصعب تعديل العلم في هذه
الحالة، ولما كان للعلم قدسية عظيمة فانه يُنص في القوانين الجنائية على تجريم أي
فعل يعد انتهاكاً لقدسية العلم، والى ذلك ذهب المشرع العراقي في قانون العقوبات
رقم 111 لسنة 1969 المعدل.
تنظيم العلم في العراق
لما كان العراق دولة غير مستقرة منذ تأسيسها،
تعاقبت عليه العديد من الحكومات منذ عام 1921 والى عام 2005 وكل حكومة سنت قانون للعلم
يعبر عن طموحاتها وليس طموحات الشعب العراقي، وكالآتي:
1- علم العراق الملكي في ظل دستور 1925: نص القانون
الأساسي لسنة 1925 على انشاء علم لملكة العراقية الهاشمية حيث نصت المادة الرابعة
منه على: يكون العلم العراقي على الشكل
والإبعاد الآتية:
طوله ضعفا عرضه ويقسم أفقياً إلى ثلاثة ألوان متساوية ومتوازية،
أعلاها الأسود فالأبيض فالأخضر، على أن يحتوي على شبه منحرف أحمر من جهة السارية
تكون قاعدته العظمى مساوية لعرض العلم، والقاعدة الصغرى مساوية لعرض اللون الأبيض،
وارتفاعه ربع طول العلم، وفي وسطه كوكبان أبيضان ذوا سبعة أضلاع يكونان على وضع
عمودي يوازي السارية. أما أوضاع العلم وشعار الدولة وشاراتها ورتبها فتعين بقوانين
خاصة.
وحسناً فعل المشرع في القانون الأساسي عندما نص على شكل وابعاد العلم
في صلب الدستور، لما له من أهمية التأكيد على علوية العلم كما هو الحال في علوية
الدستور.
2- وبعد انتهاء الملكية وبدء عصر الجمهوريات
عام 1958 والى عام 2005، اُصدرت 4 دساتير ومشروع دستور وجميعهم أكدوا على مسالة علم
الدولة ولكن لم يذكر أي منهم في صلبه على شكل العلم او الوانه انما احالوا هذا
الامر الى التشريع العادي، وعلى أي حال فان دساتير الحقبة التي سبقت عام 2005 كانت
جميعها مؤقتة مما انعكس على استقرار العلم في تلك الفترة، فكانت كل سلطة حاكمة تضع
علماً يمثل عنها لا عن العراق وشعبه; فالعلم الجمهوري الأول لعام
1958 كان الوانه الأخضر فالابيض والأسود (بشكل طولي من من اليمين الى اليسار) ويتوسطه
نجمه مثمنة الاضلاع باللون الأحمر العاتك ويتوسطها دائرة صفراء، حيث تشير هذه الألوان الى راية العلويين وراية العرب في
الشام وراية الرسول (صلى الله عليه وسلم) والعرب، اما النجمة المثمنة فتشير الى العرب والكرد
معاً.
اما في علم الجمهورية الثانية عام 1963 فكان
شكل العلم كالآتي: الوانه الأحمر فالابيض فالاسود (من الأعلى الى الأسفل) تكون على
شكل مستطيلات ويتوسط المستطيل الأبيض ثلاث نجوم خضراء ذات خمس شعب، حيث تبنى هذا
العلم مبادئ الوحدة الاشتراكية والقومية العربية.
واستمر العراق يأخذ بهذه الألوان والى الان،
مع وجود بعض التغييرات التي طرأت على العلم من إضافة لفظ الجلالة تارة وتعديل الخط
تارة أخرى.
تنظيم العلم في دستور العراق لسنة 2005
النافذ حالياً
لم يختلف دستور 2005 عن اسلافه من دساتير
الجمهوريات السابقة حيث نص في المادة 12/اولاً على (ينظم بقانون علم العراق وشعاره ونشيده الوطني بما يرمز إلى مكونات
الشعب العراقي)
الا انه الى الان لم يسن قانون ينظم علم الدولة او نشيدها الوطني،
انما تم الاكتفاء بتعديل القانون رقم 33 لسنة 1986 حيث بموجبه تم حذف النجمات
الثلاثة واستبدال لفظ الجلالة (الله أكبر) من خط يد صدام حسين وجعلها مكتوبة بالخط الكوفي، وتم الإبقاء على احكام القانون
الاخرى كما هي، الا ان مجلس النواب أكد انه خلال سنة م تاريخ التعديل سيقوم بسن
قانون ينظم احكام العلم والنشيد الوطني وفقاً لأحكام الدستور، وتميز هذا التعديل بـ:
1- الغاء الرمزية الحزبية حيث
كانت تشير النجوم الثلاثة الى وحدة العراق مع مصر وسوريا
2- الغاء الطابع الشخصي الموجود على العلم
3- التأقيت، فلم يسن الى الان
قانون دائم وتم الاكتفاء بتعديل السابق -والصادر في ظل حكم دكتاتوري- على الرغم من
ان الدستور نص على ان يتم سن قانون جديد ينظم احكام العلم وليس تعديل قانون سابق
وهذا بالتأكيد اغفال تشريعي متعمد وقع فيه المشرع.
إشكالية المادة 12/اولاً من دستور 2005
ان المشرع الدستوري كان قاصراً في صياغته للمادة الدستورية، حيث ذكر
عبارة بما يرمز إلى مكونات الشعب العراقي، وان وورد الصيغة بهذا الشكل يعمق
من الانفصال بين مكونات الشعب العراقي ويعزز من النظام المحاصصاتي الذي جيء به بعد
عام 2003 ومن يقول بأن القصد من العبارة توحيد الشعب، فانه يجافي الحقيقة كون
الروح الطائفية في دستور 2005 واضحة وضوح الشمس.
وكان من الاجدر ان تكون
العبارة بما يرمز الى تاريخ العراق وارثه الحضاري فالعراق بلد الحضارات وهو
البلاد العظيمة ما بين النهرين ومنه انطلق اول حرف الى العالم، فان وجود هذا الإرث
الحضاري يختزل جميع التعريفات.
وفي الختام، نود القول ان
قانون العلم مهم بأهمية القوانين الأخرى التي يناقشها مجلس النواب وان ما يقوم به المجلس
من تعطيل لمادة دستورية ليس مجرد تغافل تشريعي انما طمس لهوية الدولة، مما يجعل
العلم عرضة للاجتهادات السياسية، وندعو المجلس الى القيام بأمرين هامين وهما:
1- تعديل المادة 12/اولاً من الدستور وجعلها كالآتي: ينظم بقانون
علم العراق وشعاره ونشيده الوطني بما يرمز لتاريخ العراق وارثه الحضاري. وذلك
لتجنب النزعة الطائفية والمحاصصاتية التي جيء بها الى العراق،
2- بعد تعديل النص الدستوري، يتم تشريع قانون خاص للعلم العراقي، كون
الإبقاء على النص الدستوري السابق وتشريع قانون للعلم بشكل يعبر عن ارث العراق
وحضارته سيكون عرضة للطعن امام المحكمة الاتحادية بسبب مخالفة تشريع عادي للدستور.
تم نشره بتاريخ 16\2\2026 المصادف ليوم الاثنين في الساعة 5:00 مساءً

.png)