First header image Second header image

القضاء في عصر الخوارزميات

 بقلم: هيا وثاب

يعد النظام القضائي حجر الزاوية في أي مجتمع، حيث يجسد مفهوم العدالة والإنصاف. لكن مع تسارع وتيرة الثورة الرقمية، بدأت الأنظمة القضائية حول العالم في دمج أدوات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات، سعياً لرفع الكفاءة وتقليل الأخطاء البشرية وتسريع إجراءات التقاضي الطويلة. لذلك لم يعد استخدام الخوارزميات مجرد فكرة مستقبلية، بل هو واقع يفرض نفسه وعلى الرغم من الوعود الهائلة التي تحملها هذه التكنولوجيا لتحقيق العدالة الناجزة، فإن دمجها يثير تحديات عميقة تتعلق بأسس النظام القضائي نفسه، وخاصة فيما يتعلق بمبدأي الحياد والعدالة الاجتماعية. وعليه، يسعى هذا المقال إلى تسليط الضوء على الكيفية التي أصبحت بها الإشكاليات المرتبطة بالتحيز الخوارزمي وغياب الشفافية ولا سيما ما يعرف بإشكالية "الصندوق الأسود"، والتي تمثل تهديدا حقيقيا لمفهوم العدالة بصورته التقليدية، الأمر الذي يفرض ضرورة إعادة النظر في دور القاضي البشري وحدود سلطته في ظل التحول الرقمي المتسارع للمنظومة القضائية ولذلك وتعد الخوارزميات من الأدوات التي ساهمت في رفع كفاءة العمل القضائي وتحقيق قدر من السرعة والإنصاف فقد أدى إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المحاكم إلى تحقيق فوائد عملية واضحة، الأمر الذي شجع العديد من الدول على الاستفادة من هذه التقنيات.

ومن أبرز هذه الفوائد قدرة الخوارزميات على تسريع الإجراءات القضائية، إذ تستطيع تحليل أعداد كبيرة من الأحكام السابقة والنصوص القانونية في وقت قصير، مما يساعد القاضي على الوصول إلى المعلومات اللازمة بسرعة، ويقلل من الوقت المطلوب للفصل في القضايا، ويسهم في الحد من تراكم الدعاوى أمام المحاكم.

كما ينظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه وسيلة قد تساعد في تقليل بعض أشكال التحيز البشري، حيث تعتمد الخوارزميات، من حيث المبدأ، على بيانات ومعايير محددة دون التأثر بالحالة النفسية أو الضغوط الشخصية. وهذا ما يدعم فكرة تحقيق قدر أكبر من الحياد والمساواة بين المتقاضين، متى ما استخدمت هذه التقنيات بصورة مدروسة وتحت إشراف بشري فعال.

إضافة إلى ذلك، يلعب الذكاء الاصطناعي دورا مهما في دعم اتخاذ القرار القضائي، ولا سيما في القضايا المعقدة والمتشعبة، مثل القضايا التجارية الكبرى أو النزاعات متعددة الأطراف. إذ يمكن لهذه الأدوات أن تقدم ملخصات واضحة ومنظمة لأدلة الإثبات والنفي، وتجمع الوقائع الأساسية في صورة مبسطة، مما يساعد القاضي على فهم القضية بشكل ادق، ويسهل عليه صياغة الحكم بصورة أكثر وضوحًا واتساقا،

و على الرغم من فوائد الذكاء الاصطناعي في القضاء، فإن الاعتماد المفرط عليه يشكل خطرًا على العدالة من أبرز هذه المخاطر التحيز داررسي. حيث تعتمد الأنظمة على بيانات سابقة قد تحمل تحيزات اجتماعية أو عرقية، ما يؤدي إلى تكرارها أو تضخيمها. مثال على ذلك نظام تقييم المتهمين في الولايات المتحدة (COMPAS)، الذي بالغ في تقدير خطورة المتهمين ذوي البشرة السمراء مقارنة بالبيض، ما يطرحتساؤلات جدية حول عدالة استخدام هذه الأدوات.

كما تعتمد العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة (مثل الشبكات العصبية العميقة على آليات معقدة تجعل عملية اتخاذ القرار غير واضحة للبشر. عندما تسأل القاضي عن سبب الحكم، يمكنه شرح أسباب الاستدلال؛ لكن عندما تسأل الخوارزمية، تكون الإجابة مجرد نتيجة رياضية. هذا الغموض يتعارض مع حق المتقاضي في معرفة لماذا صدر الحكم ضده، ويقوض مبدأ المساءلة اضافة الى غياب السياق الأخلاقي والإنساني

القضاء ليس مجرد عملية تطبيق صارم للقانون إنه يتطلب أيضاً تقديراً للسياق الاجتماعي، والظروف المخففة، والعناصر الإنسانية التي لا يمكن إدخالها كبيانات

في ضوء هذه التحديات، لا يمكن أن يكون الحل هو إقصاء التكنولوجيا، بل في الإشراف 1 : تحديد دور القاضي البشري كـ "مفلتر " أخلاقي وحارس للمساءلة والتحقق البشري وان تبقى قرارات الخوارزميات مجرد توصيات إرشادية وليس أحكاماً نهائية كما . يقع على

عاتق القاضي البشري مسؤولية مراجعة مخرجات النظام، والتحقق من سلامة البيانات المدخلة، وضمان تطبيق مبدأ الإنصاف وحتى عندما تتعارض التوصيه الخوارزميه مع هذا المبدأ اضافة الى المطالبة بقابلية التفسير يتعين على الهيئات التشريعية والقضائية فرض معايير صارمة تلزم مطوري أنظمة الذكاء الاصطناعي بتوفير آليات تتيح تفسير القرارات الخوارزمية. يجب أن يفهم كيف توصل النظام إلى نتيجته لضمان أن يكون هذا الدليل قابلاً للنقض والاعتراض في قاعة المحكمة ومن الضروري تطوير الأطر القانونية والاخلاقية أي إنشاء هيئات رقابية متخصصة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي القضائي، وتدريب القضاة والمحامين على فهم كيفية عمل هذه الأنظمة ونقاط ضعفها. القانون لا يجب أن يواكب التكنولوجيا فحسب، بل يجب أن يسبقها ليضع الضوابط قبل أن تستفحل المشكلات.

وفي الختام القضاء في ظل الخوارزميات يطرح تحدياً فريداً: فالتكنولوجيا تزيد الكفاءة لكنها قد تثبت التحيز وتهمش الإنسانية المستقبل يكمن في تعاون القاضي مع الخوارزميات، بحيث يبقى الحكم البشري هو الفصل الأخير، محافظاً على العدالة والإنصاف رغم السرعة والكفاءة الرقمية

تم نشره بتاريخ 25/ ديسمبر/2025 المصادف يوم الخميس في الساعة 9:00 مساءً.


أحدث أقدم