يشهد العالم تحولاً جذرياً في طبيعة التعاملات الاقتصادية
والاجتماعية، مدفوعاً بالابتكار التقني الذي يفرض وجود بيئة افتراضية متكاملة ولم
تعد هذه البيئات مجرد العاب أو منصات ترفيه، بل أصبحت سوقاً ناشئة للأصول الرقمية
والمعاملات المالية حيث يتم توقيع الاتفاقيات وانشاء الملكيات، وبالتالي لم يعد
العقد مجرد لقاء لارادتين على ورقة بل غدا شفرة برمجية تنفذ ذاتها على شبكة لا
مركزية ،فالتحول العميق الذي يشهده الفضاء الرقمي كظهور "بيئات الميتافيرس"
يضع نظرية الالتزام في القانون المدني أمام أزمة وجود حقيقية، فقد أسست هذه
النظرية على مفاهيم عريقة كالوجود الفعلي للمحل والرضا الواعي للبشر وهذه المفاهيم
تهتز أمام الالتزامات التي تنشأ وتنفذ آلياً في العوالم الافتراضية
وبالتالي للوقوف على مدى استيعاب القانون المدني المعاصر
لالتزامات الميتافيرس لابد أولاً من تأصيل الإطار القانوني الذي قامت عليه نظرية
الالتزام في القانون المدني المعاصر، فالقانون المدني يقدم نموذجا متكاملا للرابطة
التعاقدية، نموذج يقوم على أسس فلسفية وتشريعية وضعت للتعامل مع علاقات الأفراد في
العالم المادي، لذلك سنبدأ بتعريف ماهية العقد وأركانه الجوهرية وفقا للأحكام
المقررة في القانون المدني قبل الانتقال إلى تحليل طبيعة التزامات الميتافيرس،
وهذه المقارنة التمهيدية هي التي ستكشف عن نقاط التباين الدقيقة وتمكننا لاحقاً من
تقييم مدى قدرة المبادئ التقليدية على استيعاب المستجدات الرقمية.
العقد واركانه في القانون المدني
يعرف العقد في القانون المدني بأنه توافق
إرادتين على إحداث أثر قانوني سواء كان هذا الأثر هو إنشاء التزام أو تعديله أو
إنهاءه ويستمد العقد قوته الملزمة من قاعدة العقد شريعة المتعاقدين، ولا يقوم
العقد إلا بتوافر ثلاثة أركان أساسية و ركن رابع في بعض العقود:
- الرضا: يتمثل في تطابق الإيجاب والقبول ويجب أن يكون صادرا
عن إرادة حرة وواعية.
- المحل: وهو موضوع العقد ويجب أن يكون مشروعا وموجوداً
وممكناً ومعينا أو قابلاً للتعيين، ويتمثل بالقيام بعمل معين او الامتناع عنه
او اعطاء شي معين.
- السبب: وهو الدافع الباعث للتعاقد ويجب أن يكون مشروعا
متوافقاً مع الاداب العامة.
- الشكلية: قد
تُعد ركناً في بعض العقود التي يتطلب القانون أن تكون مكتوبة بصيغة معينة أو
رسمية.
بعد استعراض
الإطار التقليدي للعقد ووبيان أركانه، بات من اللازم علينا تعريف وتحديد ماهية
التزامات الميتافيرس التي تمثل الطرف الحديث في المعادلة القانونية، إذ إن هذه
الالتزامات تنشأ ضمن بيئات رقمية ثلاثية الأبعاد وتتخذ المعاملات صوراً جديدة لم
تكن مألوفة في عالم القانون المدني
ماهية التزامات الميتافيرس
إن مفردة
الميتافيرس مكونة من شقين ميتا وتعني (بعد) في اليونانية وفيرس تعني (الكون أو
العالم) أي أن الكلمة تعني ما بعد الواقع
الميتافيرس هي عبارة عن شبكة افتراضية ضخمة تتضمن مزيجا من
تكنولوجيا الواقع الافتراضي VR والواقع المعزز AR والواقع
المختلط MR والبيئات ثلاثية الأبعاد 3D بالإضافة
إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي AI، يتم التفاعل معها في الوقت الحقيقي وبشكل
فعال ومستمر، يشترك فيه عدد غير محدود من الأشخاص حول العالم ويوفر بيئة أندماج
حقيقية للمستخدمين وإحساس حقيقي وتواصل حقيقي افتراضي في بيئات مشابهة تماماً
للبيئة في الواقع، كما تتم فيها أنواع التعاملات المختلفة كالاتصالات والدفع
وغيرها، وتتيح للمستخدمين العمل واللعب والتواصل مع أصدقائهم باستخدام شخصية وهمية
تسمى "أفاتار" خاص بكل واحد منهم، ويمكننا التفكير به على أنه إنترنت
متجسد تتواجد فيه فعلاً بدلاً من مجرد النظر إليه.
إن النشاط
المتسارع في البيئات الافتراضية وما يرافقه من تبادل للقيم والأصول، ينشئ واقعا،
موازياً يحاكي تماماً طبيعة المعاملات والعقود التي يجريها البشر في الواقع
الحقيقي المادي، فمثلاً كما يلتزم البائع في العالم الحقيقي بتسليم عقار ملموس مقابل
ثمن كذلك يلتزم مالك الأرض الافتراضية بنقل ملكية هذه الارض وضمان الإنتفاع بها
للمشتري في الميتافيرس.
وهذا التشابه
الوظيفي يؤكد أن التزامات الميتافيرس هي في جوهرها التزامات مدنية حقيقية تهدف إلى
نقل الحقوق والمسؤوليات، وتستوجب تطبيق القواعد القانونية المنظمة للعقد، ومع ذلك
فإن الإشكاليات القانونية لا تكمن في وجود الالتزام بل في التكييف القانوني الصحيح
لاركانه، حيث تصطدم القواعد المؤسسة للقانون المدني -التي تشترط مادية المحل وكمال
الرضا البشري- بخصائص الأصول الرقمية والتنفيذ الآلي.
ولمعرفة مدى
استيعاب القانون المدني المعاصر لهذه الالتزامات إلتزامات -التزامات الميتافيرس-
لابد لنا من معرفة محل هذا الالتزام، وهو غالباً ما يكون واحداً من نوعين رئيسيين
من الأصول الرقمية:
● الرموز القابلة
للاستبدال NFTs
هي بمثابة صك
ملكية رقمي فريد لا يمكن تزويره أو نسخه كشهادة ملكية أصلية او لوحة فنية، لكن هذه
اللوحة موجودة فقط على الإنترنت. فالالتزام هنا هو نقل ملكية هذا الصك الرقمي من
البائع إلى المشتري وهذا ما يثير التحديات، لأن المحل ليس مادياً بل عبارة عن
مجموعة بيانات وهذا ما لا يتطابق مع شروط المحل في القانون المدني المعاصر.
● الأراضي الافتراضية virtual land
● هي مساحات محددة الأبعاد داخل منصات
الميتافيرس، كأراضي ضمن مدينة افتراضي كبيرة يمكن للمالك أن يبني عليها او يؤجرها
أو يبيعها، فان الالتزام هنا يواجه مشكلة الا وهي كيف يمكن تسليم شيء لا وجود مادي
له؟ وكيف يمكن تطبيق أحكام قانون الملكية العقارية على قطعة أرض يمكن نقل ملكيتها
بين القارات في ثواني؟
وهنا يكمن التحدي الأعمق في تكييف التزامات
الميتافيرس المستحدثة تحت المظلة التقليدية للقانون المدني، فبينما يصر القانون
المدني على شروط مادية للالتزامات نجد أن الالتزامات في المتافيرس تضرب جذورها في
عالم البيانات غير المادية
لذا، أصبح لزاماً علينا تحليل مدى قدرة
القواعد الجوهرية لنظرية الالتزام في القانون المدني على استيعاب الخصائص الفريدة
التي تتميز بها التزامات الميتافيرس، وذلك من خلال فحص أركان العقد:
1- الرضا الآلي (الخوارزمي): الإيجاب والقبول الآلي في العقد الذكي يتم التعبير عنه عبر شفرة
برمجية تُحمل على سلسلة الكتل، يتم التنفيذ ذاتياً وفورياً بمجرد تحقق الشروط
المبرمجة سلفاً دون تدخل بشري لحظة التنفيذ، هذا يعني أن الإيجاب والقبول الآلي
يكون مؤكداً فقط لحظة برمجة الكود، بينما يتطلب القانون المدني استمرار الرضا حتى
لحظة الانعقاد الفعلي للعقد. فهل يعتبر الرضا الآلي كافياً ليكون صحيحاً وملزماً
لحظة التنفيذ الآلي؟
ومن جانب آخر، يحق للمتعاقد في القانون
المدني طلب أبطال العقد إذا وقع في غلط جوهري، بينما في العقود الذكية قد يقع
المتعاقد في غلط برمجي أو غلط في فهم وظيفة الكود المعقد، فهل سلطة القاضي في
التدخل لتصحيح الإرادة أو إبطال العقد موجودة في العقودة الذكية؟ وكيف يمكن التأكد
من اهلية المتعاقد وقت ابرام العقد؟ واستمرار هذه الاهلية في العقود المستمرة؟
2-السبب التعاقدي: العقود الذكية تركز على التنفيذ الموضوعي للشروط المبرمجة فقط، دون
النظر إلى النية الكامنة ورائها، كما أن طبيعتها اللامركزية وكونها نظاماً بلا ثقة
يضعف دور القواعد الآمر التي يفرضها القانون المدني لحماية الطرف الضعيف مما يجعل
حمايته في العقد الذكي مهمة شائكة دون تدخل تشريعي.
3-محل الالتزام: يفرض التزام الميتافيرس أكبر تحدٍ على ركن المحل، الذي يشترط فيه في
القانون المدني أن يكون موجوداً، مشروعاً ومعيناً أو قابلاً للتعيين، لكن الطبيعة
غير المادية للأصول الرقمية -محل التزامات الميتافيرس- تضع تساؤلات حول كيفية تكييفها
تحت مظلة الحقوق المعروفة (الحقوق العينية والشخصية)، فهي مجرد بيانات مشفرة أو
مجموعة من الاحداثيات لا يمكن لمسها، لذلك يرى البعض إن الأصول -محل التزامات
الميتافيرس- يمكن تكييفها كحق عيني (حق ملكية) نظراً لكونها تمنح صاحبها سلطة
مباشرة وحصرية على الأصل الرقمي، بينما يرى الأغلب أنها مجرد حقوق شخصية تمنح
المالك حق الانتفاع أو الحصول على الخدمة ولا ترقى إلى مرتبة الملكية العينية
نظراً لغياب المادية وعدم خضوعها لقواعد الشهر العقاري التقليدية، مما يترتب على
هذا التكييف تباين جذري في أحكام الضمان والمسؤولية في القانون المدني.
كما أن التزامات الميتافيرس تخلوا من
التنفيذ العيني الجبري والمسؤولية المدنية الموجودة في القانون المدني، كونها
التزامات خارجة عن نطاق سيطرة القضاء إذا تتمثل عوالم افتراضية لا وجود مادي لها.
والآن بعد أن قمنا بتحليل معمق لتحديات التزامات
الميتافيرس على أركان العقد الأساسية، لقد توصلنا إلى حقيقة مفادها أن القانون
المدني المعاصر في صورته التقليدية المجرد يواجه صعوبة بالغة في الاستيعاب الكامل
والفعال لهذه الالتزامات، فبينما يمتلك القانون المدني مرونة نظرية للتعامل مع بعض
جوانب التكييف، إلا أن جموده في شروطه المادية الصارمه لمحل الالتزام وتعقيدات
الرضا الآلي للعقود الذكية يترك المتعاملين في البيئات الافتراضي أمام فراغ قانوني
كبير يهدد استقرار معاملاتهم.
إن المشكلة لا تكمن في عدم مشروعية هذه
الالتزامات، بل في عدم كفاية الأدوات القانونية الحالية للتعامل مع خصائصها،
فالمفهوم التقليدي للمحل لا يتناسب مع طبيعة الأصول غير المادية واللامركزية
للاصول الافتراضية، كما أن قواعد حماية الرضا تفشل أمام التنفيذ الآلي -والكود-
الذي تتميز به العقود الذكية، وبالتالي فإن الاعتماد على التفسير الموسع للقواعد القديمة
يظل حلاً جزئياً وغير كافٍ.
فلابد من إصدار تشريعات متخصصة تمنح الأصول
الرقمية تكييفاً قانونياً صريحا كفئة جديدة من الحقوق الرقمية ،وأيضا تعديل قواعد
الاثبات والمسؤولية لتمكين القضاء من التدخل في العقود الذكية عند وقوع الغلط
وتحديد المسؤولية عن الأضرار الناجمة عن الأخطاء البرمجية.
فالمستقبل القانوني للعقد المذكي يكمن في
قدرة المشرع على التوفيق بين الضمانات العريقة للقانون المدني وبين الاحتياجات
المبتكرة للثورة الرقمية، لضمان بقاء
العدالة هي السائدة في كل من الواقع المادي والعالم الافتراضي.
المصادر
●
فلسفة
العقود الذكية (مقاربة فقهية قانونية )، عبد الحكيم بن محمد ارزقي بالمهدي، تم
الدخول في 10 ديسمبر 2025. https://share.google/AVHZEZiDCEzY1g6jR
●
الإطار
القانوني لتقنية ميتا فيرس دراسة (دراسة تأصيلية استشرافية)، محمد جبريل إبراهيم
حسن، تم الدخول في 10 ديسمبر 2025. https://share.google/NfG7zE0R2uzqhuD2B
●
تعليم
جديد. «الميتافيرس Metaverse:
مفهومها، مميزاتها، سلبياتها، وإمكانية الاستفادة منها في التعليم.» تم الدخول
10ديسمبر 2025. https://share.google/fZC3IwbXaJJBaqyHm
.png)