مع تنشيط
الحركة الاستثمارية داخل العراق، وتزايد وفود الشركات الأجنبية، وتزايد التعاملات
الدولية في مجال التعاقدات الاستثمارية، تبرز أهمية تعزيز الأدوات الجاذبة
للاستثمار الأجنبي بوصفها ضرورة ملحّة, ولا سيّما أن من أهم الركائز الأساسية
لاستقطاب المستثمرين حماية حقوق الملكية الفكرية، والتي يتفرع عنها تسجيل العلامات
التجارية الأجنبية وحمايتها داخل العراق, ولا يمكن في هذا السياق إغفال الأهمية
البالغة لتسجيل العلامات التجارية الوطنية والأجنبية على حدّ سواء، لما لذلك من
أثر قانوني وتجاري بالغ.
فعند دخول أي
مستثمر إلى دولةٍ ما، فإنه يولي اهتمامًا خاصًا بمدى حماية حقوق الملكية الفكرية
فيها، بوصفها مؤشرًا جوهريًا على استقرار البيئة القانونية والأمن الاستثماري, ولا
شك أن تسجيل العلامة التجارية يحقق فوائد ومزايا عديدة، إذ يوفر الحماية للمنتج أو
الخدمة، ويسهم في تعريف المستهلكين بهما والترويج لهما، فضلًا عن كونه ضمانًا
لسمعة العلامة التجارية، وترسيخًا لمكانتها القانونية داخل السوق التجاري.
وقبل التطرق
إلى الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي أُبرمت لتنظيم أحكام العلامات التجارية،
لا بد من توضيح مفهوم العلامة التجارية وفقًا لأحكام قانون العلامات والبيانات
التجارية رقم (21) لسنة 1957، إذ عرّف المشرّع العراقي العلامة التجارية في
المادة الأولى منه بأنها :"اي اشارة او مجموعة من الإشارات يمكن ان تشكل
علامة تجارية يمكن من خلالها التمييز بين سلع مشروع ما عن سلع مشاريع أخرى . مثل
الإشارات وبخاصة الكلمات وبضمنها الأسماء الشخصية والحروف والارقام والاشكال
الرمزية والالوان وكذلك اي خليط من هذه الإشارات يمكن تسجيله كعلامة تجارية".
وتتعدد أنواع
العلامات التجارية، فمنها علامة السلعة، وعلامة الخدمة، وعلامة الضمان، والمؤشرات
الجغرافية، وتُعد علامة الخدمة الأكثر شيوعًا في الوقت الحاضر، نظرًا للتوسع
الكبير في قطاع الخدمات واعتماد الاقتصادات الحديثة عليه.
وبالرجوع إلى
الأساس القانوني لتنظيم أحكام العلامات التجارية، نجد أنها قد خضعت لتنظيم دولي
عبر مجموعة من الاتفاقيات والمعاهدات، كان الدافع الأساسي لإبرامها هو حاجة
المستثمرين إلى توحيد التشريعات المتباينة بين الدول، خاصة في ظل قصور بعض
القوانين الوطنية عن توفير الحماية الكافية للعلامات التجارية عند الاعتداء عليها.
ومن هنا، برز الاتجاه نحو إضفاء حماية دولية للعلامات التجارية من خلال إبرام عدد
من الاتفاقيات التي رسمت الإطار القانوني لمنح الحقوق المتعلقة بها.
وتُعد اتفاقية
باريس لحماية الملكية الصناعية لعام 1883 أولى هذه الاتفاقيات، إذ أرست الأساس
القانوني والمرجع التشريعي للعديد من قوانين العلامات التجارية الوطنية. وتلتها اتفاقية
مدريد بشأن التسجيل الدولي للعلامات التجارية لعام 1891، التي هدفت إلى حماية
علامات السلع والخدمات في الدول الأعضاء عبر تسجيلها لدى المكتب الدولي. كما جاءت
اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية (TRIPS) التابعة لمنظمة التجارة
العالمية، إلى جانب اتفاقية نيس لعام 1957، التي وضعت تصنيفًا دوليًا موحدًا للسلع
والخدمات لتسهيل إجراءات تسجيل العلامات التجارية. وتُدار معظم هذه الاتفاقيات
والمعاهدات من قبل المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO).
وتقوم هذه
الاتفاقيات على مبادئ أساسية تعزز من قوة الحماية القانونية للعلامات التجارية،
وتدعم فكرة التوسع الدولي في تسجيلها في أكثر من دولة من خلال إجراءات تتسم
بالسرعة والمرونة. ويتجلى ذلك في أهم ما نصّت عليه المادة الرابعة من اتفاقية
باريس بشأن مبدأ حق الأولوية (الأسبقية) في تسجيل العلامة التجارية، والذي يقوم
على منح صاحب الطلب الأول في إحدى دول الأعضاء في الاتفاقية أفضلية زمنية لتسجيل
ذات العلامة في باقي الدول خلال مدة محددة، مع الاعتداد بتاريخ الطلب الأول كأساس
للحماية القانونية. ويكتسب هذا المبدأ أهمية بالغة في دعم التوسع الدولي وحماية
العلامات التجارية المزمع تسجيلها في أكثر من دولة.
أما اتفاقية
مدريد، فتقوم على فكرة إتاحة الفرصة لأصحاب العلامات التجارية في الدول الأعضاء
للحصول على حماية لعلاماتهم في عدة دول من خلال طلب واحد، وبلغة واحدة، وبرسوم
موحدة تُحتسب بالفرنك السويسري، دون الحاجة إلى تقديم طلبات وطنية منفصلة، الأمر
الذي يسهم في تقليل الوقت والتكاليف، ويحد من تعقيد إجراءات التسجيل.
موقف العراق
من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية في مجال العلامات التجارية يتجلى في الانضمام
الى الاتفاقيات الأساسية التي ترسم المبادئ العامة للحماية القانونية, مثل اتفاقية
باريس لحماية الملكية الصناعية, أما عن الأنظمة الدولية الحديثة مثل اتفاقية مدريد
الخاصة بالتسجيل الدولي للعلامات التجارية فأن العراق لم ينضم اليها لغاية الان
الأمر الذي يفرض على أصحاب العلامات التجارية اتباع طرق التسجيل الوطنية المستقلة,
دون إمكانية التسجيل الدولي الموحد.
وبناءً على
ذلك، فإن تطوير نظام تسجيل العلامات التجارية في العراق، ومواكبته للمعايير
الدولية، من شأنه أن يشكل بوابة حقيقية لجذب الاستثمارات الأجنبية. إذ يشهد الواقع
الحالي بعض التحديات، من بينها بطء الإجراءات، وضعف إمكانية التعامل مع الأتمتة،
ونقص الكوادر المتخصصة, فإن تحسين هذه الجوانب القانونية والإجرائية، واعتماد
التحول الرقمي، من شأنه تعزيز الثقة والمصداقية لدى المستثمرين، والمساهمة بشكل
مباشر في تحريك عجلة الاقتصاد الوطني، وجلب المزيد من الاستثمارات والفرص الناجحة
للبلد.

.png)