First header image Second header image Third header image Fourth header image

ازمة فاعلية الجزاء في القانون الدولي المعاصر

PDF

 بقلم: بنين قصي 

 القانون الدولي يعد الركيزة الاساسية التي يرتكز عليها النظام العالمي المعاصر، فهو ليس مجرد نصوص كتبت لغرض التدوين فقط، بل لغرض التطبيق على ارض الواقع -وهذا هو الغرض الاساسي من كل نص قانوني- والقانون الدولي يعتبر بمثابة "العقد الدولي" الذي تلتزم بموجبه جميع الدول والمنظمات الدولية لتنظيم علاقاتها وتعاملاتها فيما بينها.

وعلى الرغم من الالتزام الارادي للدول بموجب قواعد القانون الدولي، الا انه هنالك خلاف فقهي يدور حول طبيعة القانون الدولي وهل ان القانون الدولي يعتبر قانون بمعنى -القانون الداخلي- الملزم؟

 

حيث ينقسم الفقه بهذا الخصوص الى اتجاهين وكل اتجاه يستند في رأيه على مبررات:

-       اتجاه -متمثل بغالبية فقهاء القانون المعاصرين- يرى بأن القانون الدولي له قوة ملزمة على الدول، مستندين في ذلك الى كون الدول تلتزم به من تلقاء نفسها لتحقيق التعايش الدولي، كما ويؤكدون على كون التشريع لا ينحصر بالبرلمانات، بل قد يتمثل بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية إذا تمثل ت-تشريعات عقدية- كما وان العرف الدولي يعتبر مصدراً لهذا القانون ويؤكدون على دور محكمة العدل الدولية -والمحاكم الدولية بشكل عام- لضمان التزام كافة الدول بقواعد القانون الدولي.

-       -بينما الاتجاه الاخر -على رأسهم الفقيه الإنجليزي اوستن- يشككون بطبيعة القانون الدولي بكونه قانوناً بالمعنى الصحيح، ويشبهون قواعده بقواعد الاخلاق الدولية وقواعد المجاملة الدولية، مستندين في ذلك الى غياب السلطة التشريعية المتمثلة بالبرلمانات الدولية التي تشرع القانون، فالقانون الدولي يوضع من قبل دول لا من قبل سلطة عليا، بالإضافة الى غياب السلطة القضائية الالزامية، فالمحاكم الدولية ليست لها ولاية على الدول الا بموجب موافقة الدولة على هذه الولاية، اي ليست للمحاكم الدولية ولاية جبرية على الدول، فضلاً عن غياب الجزاء الدولي تجاه بعض الدول، مما يفقد القانون قوته الالزامية.

 

وفي عالم تتشابك فيه العلاقات وتتصادم فيه المصالح وبسبب غموض طبيعة قواعد القانون الدولي، تبرز الحاجة الملحة لوجود ضوابط تضمن السلم والامن الدوليين، ومن هنا تأتي الحاجة لتنظيم الجزاءات الدولية التي تترتب على الدول في حال مخالفة القواعد والاعراف الدولية

فالجزاءات الدولية هي الاداة القانونية التي تضمن التزام كافة الدول بالقواعد الدولية، والتي تحول اي نص قانوني من كونه مجرد توصية الى التزام قانوني واجب الالتزام بقواعده

والجزاءات الدولية تختلف باختلاف جسامة المخالفة الدولية ومدى تأثيرها على سلم وامن المجتمع الدولي

1.    الجزاءات المعنوية

وهي تستهدف سمعة الدول كالاحتجاجات التي توجه للدولة المخالفة المتمثلة بمذكرات رسمية تعبر عن استاء المجتمع الدولي، وقطع العلاقات الدبلوماسية والطرد من المنظمات الدولية.


 

 

2. الجزاءات الاقتصادية

وهذا النوع من الجزءات يستهدف العناصر الاقتصادية للدول المخالفة لقواعد القانون الدولي، واكثر الانواع شيوعاً هو الحظر التجاري المتمثل بمنع التصدير والاستيراد لمواد معينة، وكذلك تجميد الاصول المتمثل بحجز ‏الأموال او الحسابات البنكية التابعة لدول أو لمسؤوليها في الخارج

3. الجزاءات القضائية

المتمثلة بالعقوبات التي تفرض من قبل هيئات قضائية دولية كمحكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية التي تفرض عقوبات على الافراء المسؤولين عن الانتهاكات الدولية، وذلك بناء على دعوى تُرفع من قبل احدى الدول ضد دولة اخرى امام هذه المحاكم لتبدأ باتخاذ الاجراءات اللازمة.

4. الجزاءات العسكرية

تعتبر هذه الجزاءات اشد العقوبات خطورة والملاذ الاخير الذي يتم اللجوء اليه في حالة استمرار المخالفة الدولية ويتم استخدامها في حالة التهديد المباشر للقانون الدولي

 

وبعد ان تطرقنا لتعريف وجيز للقانون الدولي ولأنواع الجزاءات الدولية

يبرز التساؤل الاتي: مدى فاعلية هذه الجزاءات على الدول المنتهكة لقواعد الدولي؟

هل لهذه الجزاءات قوة الردع التي تهدف لها؟ ام مجرد نصوص قانونية تم تدوينها والموافقة عليها من قبل الدول؟

بصيغة اخرى: مدى التزام الدول بقواعد القانون الدولي؟

 

تأسس النظام الدولي المعاصر اعقاب الحرب العالمية الثانية حاملاً معه وعوداً وتوقعات بضبط العلاقات الدولية، وذلك من خلال ميثاق الامم المتحدة وقواعد القانون الدولي، الا ان الواقع الدولي وما يشهده من صراعات دولية وتوترات بين القوى العظمى يكشف انتهاكات جسيمة للقواعد والاعراف الدولية، اذ نلاحظ دولاً ترتكب اشد الانتهاكات الدولية ودولاً اخرى تتعرض لهذه الانتهاكات بدون مبرر قانوني، وهذا لا يعني ان القانون الدولي يبيح الانتهاكات بأحوال معينة، ولكن القانون الدولي قد يبيح استخدام القوة في حالات الدفاع الشرعي، فالمادة ٥١ من ميثاق الامم المتحدة تبيح للدولة التي تتعرض لانتهاك معين ممارسة حقها بالدفاع الشرعي وحتى يُفعل هذا الحق لابد من توافر شروط واجراءات معينة ينبغي على الدولة اتخاذها، فالمادة اعلاه تضمن الحق الطبيعي للدول في الدفاع عن نفسها وذلك بشرط تعرضها لاعتداء مسلح وبالتالي يكون لها الحق بالتصدي لهذا الاعتداء والرد عليه، مع التأكيد على ضرورة ابلاغ مجلس الامن -باعتباره الجهة الدولية المسؤولة عن ايقاف هذه الاعتداءات- فوراً بالتدابير التي تم اتخاذها من قبل الدولة المعتدى عليها ولكن ليس هذا ما يشهده واقعنا، فما يشهده الواقع الدولي هو استخدام دولة ما "لضربات استباقية وقائية" خارج حدودها السيادية بحجة دفاع شرعي.

 


 

فهل يعتبر هذا تطوراً في مفهوم الدفاع الشرعي التقليدي والمعروف؟

فالضربات الاستباقية الوقائية ما هي الا استخداماً لقوة عسكرية موجهة من قبل دولة ضد دولة اخرى، لأحباط هجوم متوقع او وشيك في المستقبل، دون وقعه فعلاً وهذا يخالف المفهوم التقليدي للدفاع الشرعي الذي يشترط وقوع الهجوم فعلاً لأباحة استخدام القوة العسكرية.

وهذا الفعل يعتبر محاولة لتطوير وتوسيع حق الدفاع الشرعي ليشمل التصدي لخطر متوقع وقوعه وان لم يكن قد وقع فعلاً، وهذا التطوير يهدد استقرار وامن وسلامة المجتمع الدولي بشكل خطير لكونه يفتح الباب امام انتهاكات خطيرة للقانون الدولي كما ويجعل تفعيل حق الدفاع الشرعي امر متروك لتقدير ذاتي لكل دولة، فأي دولة قد تعتقد بأن اخرى قد تتعرض لها -قبل ان تتعرض لها فعلاً- وبالتالي المفهوم المتطور يعطيها حق الدفاع الشرعي، كما وان هذا المفهوم يضعف من دور مجلس الامن، فلن تلتزم الدول -كما في المفهوم التقليدي لحق الدفاع الشرعي- بإبلاغ مجلس الامن بوقوع الاعتداء قبل استخدام القوة. وكل هذا يؤدي الى تآكل مبدأ السيادة، اذ سيكون من السهل انتهاك سيادة اي دولة لمجرد توقع وقوع اعتداء من قبلها.

بالإضافة الى محاولة توسيع مفهوم حق الدفاع الشرعي، فما يحصل في الوقت الراهن هو انتهاك سيادة دولة ثالثة ليست طرف في النزاع، ويعتبر هذا اشد المخالفات الدولية خطورة، اذ يعرض استقرار اراضي دولة ما للخطر ويجعل منها ساحة لتصفية الحسابات بين الدول المتنازعة، وهذا يعد خرقاً صريحاً لمبدأ المساواة في السيادة المنصوص عليه في المادة الثانية من ميثاق الامم المتحدة.

ومن الواجب الاشارة اليه، ان هذا الانتهاك لم تتعرض له دولة او دولتين بل العديد من الدول تعرضت لمثل هذا الاعتداء، مما ادى الي زعزعة الامن والسلم الدوليين وهذا منافي لأهداف ميثاق الامم المتحدة وقواعد القانون الدولي.

اضافة الى تعرض المدنيين للتهديد بل وأكثر من هذا تعرض العديد من المدنيين لإصابات بليغة سواء كانوا تابعين للدول المتنازعة ام للدول غير المتنازعة، والعديد من الافعال الصادرة من الدول المتنازعة التي تندرج تحت طائلة الانتهاكات الدولية.

ان غايتنا من هذه الكتابة ليس تعداداً للانتهاكات المرتكبة، بل لتسليط الضوء على "ازمة فاعلية الجزاء في القانون الدولي المعاصر" كأحد اسباب انهيار المنظومة الدولية، فما نراه اليوم من انتهاكات دولية مستمرة لم تجد لها رادع، ليست مجرد خرق لقواعد القانون الدولي، بل انذار بانهيار المنظومة الدولية، وكل هذه الانتهاكات والازمات والتوترات التي تعاني منها العديد من دول العالم ما هي الا نتيجة لغياب الرادع القانوني تجاه بعض الدول التي تنتهك قواعد القانون الدولي وتعرض السلم والامن الدوليين، وهذا يؤدي الى نتائج وخيمة، فالغرض من اي عقوبة سواء كانت عقوبة دولية ام وطنية هي تحقيق الردع الخاص والعام بالإضافة الى احلال الاستقرار في المجتمع، وبما ان الجزاءات الدولية غائبة تجاه بعض الدول فأن هذا يؤدي بالدول المنتهكة للقانون بالاستمرار بهذه الافعال، كما ويشجع الدول الاخرى على ارتكاب مثل هذه الافعال التي تمثل خرق للقواعد الدولية، لضعف الرادع القانوني.

ولا تكمن المشكلة الاخطر بوقوع الانتهاك وضعف الرادع، بل في انتقائية المحاسبة، اذ يواجه القانون الدولي في وقتنا الحاضر تهمة المساس بالمساواة من حيث فرض الجزاءات، حيث تفرض العقوبات الدولية على دول معينة وبشكل صارم تحت شعار الحماية الشرعية للأمن والسلم الدوليين، بينما يتم غض الطرف عن انتهاكات مماثلة بل واشد ترتكبها دول اخرى ذات قوة ونفوذ اكبر، وهذا الانتقائية ادت الى "تآكل الردع"، فالدولة التي ترى غيرها من الدول تنتهك القانون دون عقاب تجد في ذلك مسوغاً قانونياً للقيام بمثل هذا الانتهاك، وهذا ما يحول المجتمع الدولي من "مجتمع قانوني" الى "غابة سياسية".

تم نشره يوم الاربعاء الموافق 4 اذار 2026 في الساعة 8:20 مساءً


أحدث أقدم