First header image Second header image Third header image Fourth header image

بين الإنصاف والإجحاف: البند الأممي الذي كبّل سيادة العراق وأرهقه لعقدين من الزمن

PDF

 بقلم: الحسن ضياء نجم


يعد البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة من أكثر الأدوات القانونية حساسيةً وتأثيرًا في العلاقات الدولية، فهو يمثل سلطةً نافذة وتطورًا تاريخيًا خطيرًا. إذ يمنح مجلس الأمن صلاحياتٍ استثنائية للتدخل في شؤون الدول عندما يرى أن هنالك تهديدًا للسلم الدولي وإخلالًا به أو عملًا عدوانيًا غير مبرر. لعل حالة العراق بعد غزو الكويت عام 1990 تعد من أبرز الأمثلة على تطبيق البند السابع، إلا أنها في ذات الوقت من بين أكثر التجارب تعقيدًا في تطبيق هذا البند. إذ استغرق الخروج من طائلة البند السابع عقدين من عمر العراق، مما أدى إلى آثارٍ قانونية وإنسانية وسيادية بالغة.

 نسعى في هذا المقال إلى تحليل تطبيق البند السابع على العراق، والنظر في مدى توافق الإجراءات التي اتخذها مجلس الأمن مع أحكام القانون الدولي ومبادئ السيادة.

 

الإطار القانوني للبند السابع:

ينظم البند السابع بالمواد 39 إلى 51 من ميثاق الأمم المتحدة، والذي يخول مجلس الأمن سلطة تقديرية واسعة في تحديد وجود تهديد للسلم أو عمل عدواني، واتخاذ ما يراه مناسبًا من تدابير، سواء كانت عير عسكرية (المادة 41) أو عسكرية (المادة 42).

حيث تنص المادة 39 من الميثاق على أن:" يقرر مجلس الأمن ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به أو كان ما وقع عملاًً من أعمال العدوان، ويقدم في ذلك توصياته أو يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير...".

ومما تجدر الإشارة إليه هو أن سلطات المجلس في هذا المجال لا تخضع لقيد الاختصاص الذي ورد في الفقرة السابعة من المادة الثانية من الميثاق:" ليس في هذا الميثاق ما يسوغ (للأمم المتحدة) أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي ‏لدولة ما، وليس فيه ما يقتضي الأعضاء أن يعرضوا مثل هذه المسائل لأن تحل بحكم هذا الميثاق، على أن ‏هذا المبدأ لا يخلّ بتطبيق تدابير القمع الواردة في الفصل السابع". إلا أن غياب آلية رقابة على قرارات المجلس يجعل هذه السلطة قابلة للتسييس، كما حدث في عديد الحالات، في مقدمتها العراق.

 

العراق تحت حكم البند السابع:‏

إن استعراض التجربة العراقية تحت حكم البند السابع يعد ضروريًا في بحث ودراسة أساليب الأمم المتحدة في معالجة الأزمات وإدارتها. لا سيما وأن هذه الأزمة -غزو الكويت- قد شكلت خطًا فاصلًا بين مرحلتين، مرحلة الحرب الباردة من جهة: و التي شهد خلالها مجلس الأمن شللًا شبه تام بسبب الفيتو بين القطبين المتحاربين (الاتحاد السوفييتي و الولايات المتحدة)، فضلًا عن قلة التدخلات الأممية أو اقتصارها على حالات محدودة و بشكل محدود. و من جهةٍ أخرى تمثلت المرحلة الثانية بما بعد الحرب الباردة، و التي بدأت فعليًا عند أزمة غزو الكويت: حيث ظهر تحول جذري في عمل مجلس الأمن و نشاطه غير المسبوق فضلًا عن قراراته المكثفة و السريعة. ولعل التحول الأبرز كان في نوع العقوبات المفروضة، حيث تم استعمال البند السابع بطريقة موسعة جدًا -لعله أكبر نظام عقوبات في التاريخ الحديث. فقد كان العراق كان أول دولة تُطبق عليها عقوبات شاملة وطويلة المدى بهذا الشكل، مع نظام رقابي دولي على موارده، وبرنامج إنساني ضخم (النفط مقابل الغذاء)، ولجنة تعويضات، ونزع سلاح قسري، ومراقبة دولية واسعة. فقد أولى مجلس الأمن هذه الأزمة بالذات حجمًا ونوعًا من الاهتمام قد يكون الأول في بابه، وهناك مؤشراتٍ عدة تدل على ذلك منها:

·       أن مجلس الأمن كان في حالة انعقاد دائم واجتمع مرتين على مستوى وزراء الخارجية، الأولى برئاسة وزير الخارجية الأمريكي، والثانية برئاسة وزير الخارجية السوفييتي. ولم يكن مجل الأمن قد انعقد على هذا المستوى منذ إنشاء الأمم المتحدة 1945 وحتى بداية الأزمة عام 1990 سوى مرتين.

·       أصدر مجلس الأمن خلال فترةٍ لا تتجاوز الأربعة أشهر، اثنا عشر قرارًا. وتلك كانت أكبر مجموعة قرارات يصدرها مجلس الأمن حول أزمة واحدة خلال تلك الفترة القصيرة منذ إنشائه وحتى اندلاع الأزمة.

·       القرارات جاءت مستندة إلى الفصل السابع من الميثاق.

 

يمكن أن نقسم علاقة العراق مع هذا البند، إلى ثلاث مراحل، كما يلي:

1.    مرحلة العقوبات (1990-2003):

أصدر مجلس الأمن خلال فترة لا تتجاوز أربعة أشهر اثنا عشر قرارًا بخصوص الغزو العراقي للكويت، جميعها استندت إلى البند السابع. يمكن تصنيفها إلى ثلاث مجموعات رئيسية:

·         التكييف القانوني للغزو:

القرار (660) في 2 أغسطس 1990، الذي اعتبر الغزو عدوانًا سافرًا وطالب بانسحاب فوري غير مشروط. والقرار (662) في 9 أغسطس الذي أدان ضم العراق للكويت واعتبره باطلًا قانونًا.

·        الإجراءات التحفظية:

شملت القرارات (664، 667، 674، 677) التي هدفت إلى حماية المدنيين الكويتيين ومصالحهم، وتأكيد مسؤولية العراق عن أي أضرار تلحق بهم.

·        العقوبات الاقتصادية والعسكرية:

مثل القرار (661) الذي فرض حصارًا اقتصاديًا شاملًا، والقرار (665) الذي أجاز استخدام القوة لإحكام الحظر، والقرار (678) الذي سمح باستخدام "جميع الوسائل الضرورية" لإعادة السلم والأمن الدوليين.

القرار الأخير أثار جدلًا فقهيًا واسعًا، إذ اعتبر أول تفويض مفتوح باستخدام القوة في تاريخ مجلس الأمن الحديث، مما فتح الباب أمام تدخلات عسكرية لاحقة وفرض عقوبات طويلة الأمد أضعفت البنية التحتية للعراق وأرهقت المدنيين.

القرار(678) المؤرخ 29 تشرين الثاني 1990:

لعله أحد أكثر القرارات أهمية في تاريخ مجلس الأمن، إذ منح مجلس الأمن من خلاله تفويضًا صريحًا باستخدام "جميع الوسائل الضرورية" لتنفيذ القرارات المتعلقة بانسحاب العراق من الكويت. فبموجب هذا القرار، انتقل مجلس الأمن من مرحلة العقوبات و الضغط الدبلوماسي، إلى التفويض باستخدام القوة و لأول مرة بهذا الوضوح بعد الحرب الباردة. مما أسس لواقع دولي جديد قائم على توسيع تطبيقات البند السابع، فكان العراق ساحة اختبار لنمط تدخل أممي أكثر صرامة و فاعلية.

 

2.    مرحلة ما بعد الحرب ونزع السلاح (1991–2003):

بعد انتهاء حرب الخليج الثانية، أصدر المجلس القرار (687) الذي نظم وقف إطلاق النار، وفرض على العراق نزع أسلحة الدمار الشامل تحت إشراف لجنة التفتيش (UNSCOM).
ورغم امتثال العراق جزئيًا، استمرت العقوبات الاقتصادية والسياسية. وأفادت تقارير الأمم المتحدة بأن الحصار أدى إلى انهيار شامل في الخدمات الصحية والتعليمية وارتفاع معدلات الوفيات وسوء التغذية.

 

3.    مرحلة الغزو الأمريكي وما بعده ((2003–2013:

في عام 2002، أصدر المجلس القرار (1441) الذي منح العراق "فرصة أخيرة" للامتثال لعمليات التفتيش، لكن الولايات المتحدة وبريطانيا اعتبرتا أن العراق أخلّ بالتزاماته وشنّتا الحرب في مارس 2003 دون تفويض صريح من المجلس، ما أثار جدلًا واسعًا حول شرعية الغزو ومدى توافقه مع الفقرة الرابعة من المادة الثانية من الميثاق التي تحظر استخدام القوة ضد سيادة الدول.

لاحقًا صدر القرار (1483) الذي أبقى العراق تحت أحكام البند السابع واعتبر قوات التحالف "قوات احتلال"، وأُنشئ "صندوق التنمية للعراق" بإشراف الأمم المتحدة والبنك الدولي.

 

في عام 2013 صدر القرار (2107) الذي نقل العراق من أحكام الفصل السابع إلى الفصل السادس بعد تسوية القضايا مع الكويت، ثم القرار (2621) لعام 2022 الذي أنهى التزامات العراق بالكامل بعد دفعه جميع التعويضات المالية.

الآثار القانونية والسيادية لتطبيق البند السابع على العراق:

من المؤكد أن تطبيق البند السابع على العراق قيد سيادته بشكل كبير، إذ خضعت موارده النفطية والمالية لإشراف دولي، وفرضت عليه لجنة التعويضات التزامات مالية تجاوزت 50 مليار دولار. كما أثّر الحصار في الاقتصاد العراقي بشكل مدمر. ووفقًا لتقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP 1999)، فإن العقوبات أدت إلى تدهور في مؤشرات التنمية البشرية، وارتفاع معدلات الوفيات وسوء التغذية بشكل غير مسبوق.
وأكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر IRC 1999) ) أن العقوبات "لا تميّز بين المدنيين والمقاتلين، وبالتالي تتعارض مع القانون الدولي الإنساني"، وأشارت بيانات اليونيسف (UNICEF 1999) إلى ارتفاعٍ حادّ في معدلات وفيات الأطفال العراقيين تحت سن الخامسة خلال فترة الحصار، حيث تضاعف المعدل تقريبًا عمّا كان عليه في الثمانينيات، ما يعكس الأثر الإنساني الكارثي للعقوبات الاقتصادية على الفئات الأضعف، وخاصة الأطفال.

نظرة على التجربة العراقية:

كشفت التجربة العراقية عن أزمة عميقة في النظام القانوني الدولي من عدة نواحٍ، منها:

1.    الانتقائية في التطبيق:

مارس مجلس الأمن سلطاته على العراق بقسوة، بينما تغاضى عن أزمات مشابهة، مما يعكس تسييس آلية الأمن الجماعي.

2.    شرعية استخدام القوة:

غزو 2003 دون تفويض جديد يمثل خرقًا صريحًا للمادة 2/4 من الميثاق، ويضعف مبدأ حصر استخدام القوة في حالات الضرورة القصوى وبموافقة المجلس.

3.    المسؤولية الإنسانية:

فرض العقوبات الشاملة يُعد شكلًا من أشكال العقاب الجماعي المحظور بموجب القانون الدولي الإنساني، لعدم تمييزه بين المدنيين والمقاتلين.

4.    غياب الرقابة القضائية:

لا توجد آلية للطعن في قرارات مجلس الأمن، ما يجعل المجلس فوق القانون، ويقوّض مبدأ سيادة القانون الدولي.

وهناك من يرى أن تجربة العراق أثبتت الحاجة إلى إصلاح جذري لنظام الأمن الجماعي، وتحديد حدود سلطة المجلس بشكلٍ أوضح.

 

الخاتمة والنتائج:

أظهرت التجربة العراقية أن البند السابع يمكن أن يتحول من أداة لحفظ السلم إلى وسيلة للهيمنة السياسية، وأن قرارات المجلس قد تؤدي إلى معارضة أو إضعاف مفهوم السيادة الوطنية. واصبح من الضروري القيام بالإصلاحات المطلوبة في النظام الأممي، ولعل من أبرز تلك الإصلاحات:

·       تحديد أكثر دقة لمفهوم "التهديد للسلم والأمن الدوليين".

·       إنشاء آلية رقابية قضائية لمراجعة قرارات المجلس وضمان اتساقها مع القانون الدولي.

·       تقييد استخدام حق النقض (الفيتو) في القضايا الإنسانية.

فالعدالة الدولية مرهونة بكون القانون أسمى من السياسة. حيث أن المحصلة الأبرز من التجربة العراقية هي أن الشرعية الدولية لا تتحقق بالقرارات، بل في العدالة في تطبيقها، وأن القانون يجب أن يكون أسمى من السياسة، لا أداة في يدها.

 

وفي الختام لا بد من السؤال:

هل راح العراق ضحية تطبيقٍ قانونيٍ صارم؟ أم ضحية التوازنات السياسية غيرالعادلة والمتسترة خلف عباءة نصوص الميثاق؟ وهل يمكن الحديث عن عدالةٍ دولية، ما دامت السيادة تخضع لمعيار القوة لا القانون؟

وهل يمكن إصلاح نظامٍ تحركه إرادة الدول العظمى لا ما يمليه القانون؟ أم أن البند السابع سيبقى شاهدًا على الفجوة بين القانون والواقع، بين ما ينص عليه الميثاق وما تفرضه السياسة؟

 

 

 

 

 

المصادر:

·       مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مجموعة القرارات الخاصة بالعراق بعد غزو الكويت، القرارات: 660، 661، 662، 664، 665، 667، 674، 677، 678، 687، 1441، 1483، 2107. متاحة عبر https://undocs.org

·       أ.د ساجد احميد الركابي، المنظمات الدولية النظرية العامة والمنظمات الدولية العالمية والإقليمية والمتخصصة، دار الفيحاء للطباعة و النشر و التوزيع.

·       د. حسن نافعة، الأمم المتحدة في نصف قرن دراسة في تطور التنظيم الدولي منذ 1945، المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب، الكويت.

·       برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP 1999) تقرير التنمية البشرية لعام 1999، نيويورك، جامعة أوكسفورد: https://hdr.undp.org/system/files/documents/hdr1999ennostats.pdf?utm_source=chatgpt.com

·       اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، 1999، المدنيون بلا حماية: الأزمة الإنسانية المتفاقمة في العراق، جنيف، اللجنة الدولية للصليب الأحمر: https://www.icrc.org/sites/default/files/external/doc/en/assets/files/other/iraq-report-icrc.pdf?utm_source=chatgpt.com

 

 تم نشره بتاريخ 5\3\2026 المصادف ليوم الخميس في الساعة 9:00 مساءً

 

أحدث أقدم