First header image Second header image Third header image Fourth header image

العرف الدستوري وانواعه: نقد في التقسيم الفقهي

PDF

 بقلم: رانيا احسان

لا يخفى علينا ان الدستور يعد القانون الأعلى في البلاد ولا يجوز للقوانين الأدنى درجة منه مخالفته، وكل مخالفة تقع باطلة. والدستور ينقسم من حيث طريقة تدوينه نوعان اما مدون -مكتوب- او غير مدون -عرفي- ومن حيث قابليته للتعديل الى دستور جامد واخر مرن، وفي مقالنا هذه نحن بصدد التكلم عن النوع -من حيث تدوينه- تنقسم الدول في دساتيرها الى دستور مكتوب او عرفي يقصد بالأول ان تدون القواعد الدستورية في صلب وثيقة تسمى بالوثيقة الدستورية، اما الثاني فيقصد بها قيام السلطات بمجموعة من الاعمال مع اقتران الصفة الإلزامية بها، وبالتالي يتكون العرف الدستوري من ركنين مادي ومعنوي، يقصد بالمادي الفعل نفسه الذي تقوم به السلطات ،ومعنوي الزامية القيام بهذا الفعل بمعنى ان هذا الفعل ملزم ويجب القيام به.

ان القول بان دولة معينة تأخذ بالعرف كدستور لها لا يمنع من وجود وثائق دستورية بجانبه، مثل بريطانيا على سبيل المثال، حيث تأخذ بالعرف كدستور لها مع وجود وثائق دستورية أخرى مثل وثيقة الحقوق عام 1689 والعهد الأعظم 1215. كذلك ان قيام دولة معينة بالأخذ بالدستور المكتوب لا يمنع من وجود اعراف دستورية بجانبها، وفي هذا الصدد قسم الفقه الأعراف الدستورية الى ثلاثة أنواع وهي عرف مفسر وعرف مكمل وعرف معدل ولنا على هذا التقسيم بعض المآخذ، بداية سنتولى شرح كل عرف بإيجاز ثم سنوضح مآخذنا عليه:

1- العرف المفسر: والمقصود به العرف الذي يكشف الغموض عن قاعدة دستورية غير واضحة او مبهمة ويظهر الحقيقة، مثال ذلك دستور الجمهورية الثالثة في فرنسا، حيث نص الدستور على مبدأ الاقتراع العام ولم يحدد هل هو اقتراع عام مباشر على درجة واحدة ام غير مباشر فيكون على درجتين؟ وبالتالي جرى العرف على اعتبار الاقتراع العام هو اقتراع مباشر[1].

يثار تساؤل حول إمكانية انشاء قاعدة دستورية من خلال العرف المفسر، وما مدى الزامية هذا العرف في تفسيره للمادة هل يعتبر ملزم شأنه في ذلك شأن المادة التي يفسرها؟ ام انه يعتبر غير ملزم ويعامل معاملة القوانين العادية؟ في الحقيقة نحن نعتقد ان هذا العرف لا ينشئ قاعدة دستورية انما يفسرها فقط، بمعنى انه فقط يوضح النص ولا يضيف عليه، ولما كان العرف مفسراً لقاعدة دستورية فانه يأخذ الزاميته من الزامية هذه القاعدة، بمعنى ان قوة القاعدة الدستورية تمتد الى العرف المفسر لها.

وللتحقق من مدى مطابقة العرف المفسر للدستور يمكن اللجوء -في رأينا- الى الأسباب الموجبة، الظروف المحيطة بعملية الصياغة، روح النص الدستوري، وديباجة الدستور، كذلك نية المشرع فهل كانت نيته من صياغة هذه المادة الاخذ بالنظام البرلماني -مثلاً- ام كانت نيته الاخذ بمبدأ الاقتراع العام.

2- العرف المكمل: والمقصود به العرف الذي يكمل النقص الحاصل في الدستور، قد تأتي المادة الدستورية ويعتورها عيب النقص التشريعي فتغفل عن تنظيم امر معين، وهنا يأتي دور العرف المكمل فيسد هذا النقص، ونعيد ذكر المثال اعلاه من ان الدستور الفرنسي لم يحدد ما المقصود بالاقتراع العام، هل هو مباشر ام غير مباشر؟

واُثير تساؤل حول مدى الزامية هذا العرف، هل يرقى الى مرتبة القاعدة الدستورية ام انه في مستوى التشريع العادي؟ انقسم الفقه الى مؤيد لوضعه في مرتبة الدستور ومعارض، فالرأي الاول قال بانه في مرتبة الدستور على اعتبار انه يكمل قاعدة دستورية فتاتي الزاميته من الزامية القاعدة، اما الراي الثاني فقال بانه في مستوى التشريع العادي وانكروا على قيام السلطات بإنشاء قاعدة عرفية مكملة وان انشاء قواعد دستورية محصور بإرادة السلطة التأسيسية.

وعلى الرغم من اننا نتفق مع الرأي القائل بان للعرف المكمل قوة القاعدة الدستورية "وذلك ان كان موجوداً"، الا اننا في الاساس ننكر وجوده –اي ننكر وجود عرف مكمل-، ونقول بان المكمل ما هو الا امتداد للمفسر على اعتبار ان المفسر يفسر نص غامض والغموض يعني وجود قصور ونقص في الصياغة ولما كان العرف المفسر يوضح الغموض ويجلي الحقيقة فانه والحالة هذه يكمل المادة الدستورية. وبالتالي نحن نقر بوجود عرف مفسر دون المكمل

3- العرف المعدل: وهو العرف الذي يعدل المادة الدستورية بالإضافة او الحذف، اي بمعنى انه يضيف الى الدستور ما يخالفه، وهنا نحن نتحدث عن حالة وجود دستور مكتوب ويأتي العرف الدستوري فيخالفه، اما في حالة ان الدولة اصلاً تتبع العرف الدستوري ولا يوجد فيها وثيقة دستورية فان العرف في هذه الحالة لا يخالف الدستور، لان القاعدة العامة تقتضي ان النص التشريعي لا يعدل او يلغى الا بنص تشريعي له نفس القوة او في مرتبة اعلى منه ولما كان الدستور المكتوب اعلى من العرف الدستوري فان العرف لا يستطيع الغاءه، واذا كان الدستور عرفي فان العرف الدستوري يستطيع الغاء هذا العرف ويعدله بالإضافة او الحذف.

وخلاصة القول، نقر بوجود نوعين من الأعراف، عرف مفسر يوضح المقصود بالمادة الدستورية ويكمل النقص الحاصل فيها، وعرف معدل، مع ملاحظة اننا نقر بوجود الأخير في نطاق الدساتير العرفية دون الدساتير المدونة.

تم نشره بتاريخ 9 آذار 2026 الموافق ليوم الاثنين في الساعة 5:00 مساءً


[1] ماهية العرف الدستوري ودوره في نشأة الدساتير، م. د حامد جواد محمد/ مجلة الدراسات المستدامة..السنة الرابعة/المجلد الرابع/العدد الاول. لسنة 2022 م1443هـ.


أحدث أقدم