بقلم: ريتاج ضرغام
مقال اليوم ربما يكون مختلفاً قليلاً،
لكنه نابع من تجربة شخصية بحتة، آخذكم معي فيها لنغوص أكثر في عمق المنظومة
التعليمية.
خلال سنوات الدراسة، أدركتُ ما هو
جوهري في تجربة الطالب الجامعي؛ إذ نتعلم منذ الصغر أن الحفظ يبدأ بقراءة صفحة
الكتاب، ثم ترديد مقاطعها والعودة إليها مراراً، لتتشكل بذلك عملية الحفظ. وعندما
يحين وقت الاختبار، نسكب ما حفظناه من معلومات على ورقة الامتحان، وكلما كانت
المراجعة أعمق والقراءة أوسع، كان الأداء أوضح وأقوى.
وهنا يظهر لبّ الموضوع: فالمعارف التي
نقرأها ونحفظها غالباً ما تتبخر من ذاكرتنا خلال أيام قليلة، فلا يبقى منها سوى
شذرات متناثرة في الذاكرة طويلة المدى، بينما تتلاشى البقية وسط زحام الأحداث
اليومية والمهام الأخرى.
معادلة الحفظ العقيمة وصدمة الواقع
الجامعي
هذه العملية رافقتنا منذ الطفولة، من
عمر السابعة وحتى الثانية والعشرين أو أكثر؛ إذ بقيت الطريقة واهنة وثابتة: اطلاع
+ تكرار = عملية حفظ مؤقتة. غير أن هذه الآلية لا تنفع
في سنوات الجامعة؛ لأن الجامعة عالم مختلف يتطلب أكثر من مجرد استرجاع للمعلومات،
إنه فضاء يتطلب توسيع آفاق المعرفة وتغيير أسلوب التعلم برُمّته.
يصل هذا الخلل المعرفي إلى ذروته في
الكليات ذات الطابع الصارم والجامد، حيث يحتاج الطالب بشدة إلى إدخال المرونة على
طريقة تلقّيه للمعلومة. وبالتحديد في كلية القانون—التي
كنتُ جزءاً منها وعاصرتُ نظامها وتطبيقه بالحذافير—تتجلى
هذه الأزمة بوضوح؛ إذ إن نظام التعليم القانوني الحالي، سواء في بغداد أو في عموم
العراق، لم يعد يتلاءم تماماً مع متطلبات المهنة بعد التخرج.
القصور المعرفي في ميزان تصنيف بلوم
يعزز هذه الرؤية العلمية تصنيف بيلوم
للمستويات المعرفية
(Bloom's Taxonomy)، والذي يقسم العملية
التعليمية إلى تدرج هرمي يبدأ من: (الحفظ، ثم الفهم، التطبيق،
التحليل، التقييم، وصولاً إلى الابتكار).
مكمن الخلل: إن نظامنا
التعليمي الحالي لا يزال قابعاً عند المستويات الدنيا لهذا التصنيف (الحفظ
والتذكر)، في حين أن مهنة القانون بطبيعتها تتطلب الانتقال الفوري إلى المستويات
العليا؛ كالتفكير النقدي، والتحليل، والمحاججة، وتقييم النصوص القانونية.
وبما أن المنهاج لدينا ما زال عبارة
عن كتاب محدد سلفاً، يجد الطالب نفسه وكأنه عاد إلى مرحلة الدراسة الإعدادية أو
المتوسطة؛ حيث الحفظ الصمّ هو معيار النجاح الوحيد.
الفجوة الهيكلية وجمود المناهج
إن اقتصار التعليم على التلقين أدى
إلى بروز فجوتين أساسيتين في المنظومة التعليمية القانونية في العراق:
الفجوة الهيكلية والتطبيقية:
ويتمثل ذلك في غياب أو ضعف أدوات التعليم التفاعلي الحديثة، مثل المحاكم الافتراضية (Moot Courts) والعيادات القانونية (Legal Clinics) في المناهج
العراقية، مقارنة بالأنظمة التعليمية العالمية التي تعتمد كلياً على منهج دراسة
الحالة
(Case Study Method) والمحاكاة العملية
اليومية.
جمود المناهج التعليمية:
تواجه المنظومة أزمة حقيقية في مواكبة العصر؛ فالقوانين والتشريعات تتطور وتتعدل
لمواكبة العصر، بينما الكتاب المنهجي الجامعي قد يظل ثابتاً دون تنقيد أو تحديث
لسنوات طويلة، مما يجعل الطالب يدرس مواداً منفصلة جزئياً عن الواقع العملي
المطبّق في المحاكم اليوم.
نحو إصلاح المنظومة: الجمع بين
النظرية والتطبيق
لا ننكر أن التعليم الأكاديمي الحالي
قد ينفع الطالب في بعض الجوانب النظرية، لكنه في الوقت نفسه يضرّه بسبب التقييد
بمنهاج جامد، وضيق الوقت، وشدة النظام الإداري على حساب الكيف المعرفي. وهو أمر لم
أدركه بكل أبعاده إلا بعد سنوات من الدراسة والالتصاق بهذه الكلية.
في النهاية، أدركتُ أن الجامعة ليست
مجرد قاعات لحفظ المتون والمناهج، بل هي فضاء لتوسيع المدارك وصقل المهارات وتشكيل
وعي مجتمعي يحمي العدالة. فالحفظ وحده لا يبني محامياً ناجحاً، ولا قاضياً بارعاً،
وإنما المزج الواعي بين المعرفة النظرية والتجربة العملية هو ما يمنحنا القدرة على
مواجهة الحياة المهنية بثقة وحماية حقوق الناس بكفاءة لذلك، بات من الضروري
والملحّ أن نعيد النظر في طرقنا التقليدية، ونحوّلها إلى أدوات للتفكير النقدي
والإبداع؛ حتى نصنع من سنوات الدراسة رصيداً حقيقياً لمستقبلنا، ومرجعاً عملياً
يخدم المجتمع ومنظومة العدالة ككل.
